ايهما تفضل أن تكون، سمكة كبيرة مع الصغار او سمكة صغيرة مع الكبار

هل تريد ان تكون سمكة صغيرة في حوض اسماك كبير به اسماك كبيرة كثيرة او تفضل ان تكون سمكة كبيرة في حوض سمك صغير فيه اسماك صغار، قليلة او كثيرة؟

أيهما افضل بالنسبة لك، ان تكون ذكي في جامعة جيدة وفي صف دراسي اكثريته طلاب عاديين مع عدد منزور من الغير اعتياديين او تكون بنفس الذكاء في صف جامعة مرموقة جدا في صف دراسي مملوء من العباقرة وغير اعتياديين؟ ماذا لو كنت امام هذين الخيارين لأبنائك، هل ستدخله افضل مدرسة موجودة على الاطلاق في البلد الذي تقطنه مع طلاب ممتازين او تدخله في مدرسة ممتازة لكن اقل من تلك مع طلاب عاديين وقليل منهم المميز؟

ولو سألك أحدهم ايهما افضل لأبنائك، ان تدخلهم مدرسة يكون عدد الطلاب في الفصل 20 او 10، فأيهما تفضل؟ عدد كبير سيفضل العدد الأقل.

البعض يقول انه يفضل ان يكون مع العباقرة والأفضل على الاطلاق لاعتقاده انه اذا تواجد معهم ستُصقل مهاراته وتُشحذ همته ويتضاعف انتاجه بسبب تواجده مع من هم افضل منه اذ سيكونون بمثابة الدافع له للوصول لمستواهم.

والبعض الآخر على النقيض، يرى انه قد يتعب الفرد ويسبب له الإحباط لأنه بينما يحاول اللحاق بهم ، في الوقت الذي يكون هؤلاء العباقرة والمميزون أيضا في تطور مطرد، سيصل هو او ابناءه لنتيجة انه لن يلحق بهم ابدا، ويترتب على ذلك اثر نفسي بالغ.

أي الفريقين على صواب؟

للإجابة على هذا السؤال لابد من اجراء بحث على هذه العناوين واستقصاء اراء وتجربة من ساروا في كلا الدربين للوقوف على نتائج تلك التجربة. وهذا ما قام به “مالكولم غلادويل” في كتابه ” داود وجاليت”. وجد الكاتب ان طلاب افنوا جزء من عمرهم جهدا للحاق ببرنامج البكالوريوس في الرياضات في جامعة هارفرد وانضموا لصفوف المميزين لكنهم فشلوا في اكمال البرنامج احباطا وكمدا وحزنا وانتقلوا من الرياضيات للقانون. ويحكي أيضا عن من ادخلوا أبنائهم المدرسة الأولى في مقاطعتهم لان عدد الطلاب اقل في الفصل الواحد ظنا منهم انه كلما قل عدد الطلاب في الصف كلما كثر الانتباه والاهتمام من قبل المعلمين للطلاب ونتيجة بحث الكاتب اظهرت من خلال مقابلات مع المعلمين ان الفصل الذي يحوي 10 طلاب لا ينتج عنه أي إيجابية تذكر مقارنة بالفصل ذا ال20 طالب اطلاقا..

كما يروي الكاتب عن الطالبة المبدعة في مادة الكيمياء المتميزة على مستوى الولاية بالكامل امتلأت ثقة وحماس في جامعتها “العادية” الى ان اختارت افضل جامعات امريكا في الكيمياء وما ان وطأة قدماها الفصل بعد انتقلت من جامعتها حتى تتفاجأ بفصل مملوء من عباقرة الكيمياء كلهم اختاروا الجامعة لنفس أسبابها، وظلت تعاني الامرين في الحصول على درجات تضاهي اقرانها في مادة الكيمياء العضوية..وفجأة بعد ان كانت ترى في نفسها عبقرية الكيمياء في سابق عهدها رأت نفسها في حوض اسماك قرش يلتهموها دونما رحمة وشفقة ..

الفكرة التي يريد الكاتب ان يوصلها في كتابه اوجزها فيما يلي:  انه ربما نعتقد اننا بإمكاناتنا الضعيفة مقارنة بإمكانات الكبار والعباقرة والاغنياء وأصحاب النفوذ لا يمكننا ان نحصل على قطعة من الكعكة التي يأكل منها هؤلاء فنندب حظنا..بينما يمكننا الشبع دونما الحاجة للوقوف على مائدة الكبار.. كان بإمكان هذه الفتاة ان تكون عالمة ومؤلفة كيمياء كبيرة لو انها اكتفت بجامعتها الاولى ال”عادية” بادئ الأمر لانها لم تكن  ثقتها وطموحها سيهتزان بمجرد تواجدها مع من يفوقوها كل يوم..كانت ستصل لهم او تفوقهم لو انها اكتفت باللعب في ملعبها هي حتى حين..

واننا لو اقتنعنا ان نكون سمكة كبيرة في حوص به سمك صغير، في فترة معينة، افضل بمرات من نكون في سمك صغير او متوسط في حوض مملوء من الكبار والقروش..

اما لماذا اختار الكاتب “داوود وجليات” عنوان لكتابه فلأن هناك قصة في الانجيل تحكي ان جليات كان شخص قوي البنية ” لا يلوي على شيء و داود فتى صغير لا قوة له الا مقلاع ( بالبحريني فلاتية)، بينما جليات مدجج بالسلاح، لكن داود تغلب على جليات لأنه رماه بحجة في جبهته. الدرس المتصل بفكرة الكاتب من القصة هو ان داود لو لعب مع جاليت بأدواته ( كما ذهبت الفتاة المميزة في الكيمياء لأفضل جامعة في الكيمياء) لما تمكن من الفوز عليه لكنه اكتفى بأدواته ( الجامعة العادية) وبإصرار وايمان وعزيمة وجد ثغرة لا تخطر على بال ورماه بحجة في جبهته فأرداه.

في الختام

سؤال للكاتب: على الأقل فتاة الكيمياء وطلاب الرياضيات في هارفرد سُمح لهم الدخول من الأساس ، بسبب امكانياتهم وخوض التجربة وتقييم انفسهم، ماذا عن الذين لا يسمح لهم الدخول من الأساس في حوض السمك ذا الأسماك الكبيرة بسبب مذهب او دين او عرق او لون او جهة او حزب، بغض النظر عن المؤهلات والملكات؟ وماذا عن الذين رضوا بأن يكونوا سمكة كبيرة في حوض سمك صغير لكن ” القيم” على الحوض لا يرمي الا اكل للسمك الصغير والسمك الكبير عف اللسان واليد والبطن لا يريد ان يعيش من اكل السمك الصغير ولا يريد ان يفتك بالسمك الصغير، فمن اين يأكلون وكيف يعيشون. لا الأسماك الكبيرة تقبلهم ولا القيمون على حوض السمك الصغير يسمحون لهم بالبقاء؟ كلا الخيارين مر وانت يا أستاذ ” مالكولم” لم تفسر غير هذه الخيارين!

 

المسئولية الأخلاقية للمعلم

أولا، قلت ” معلم” تجاوزا، لأن عددا كبيرا منهم لا يعدوا كونه موظف في وزارة التعليم ولا يرقى ليُطلق عليه معلم او أستاذ او مدرس…

ثانيا، أسقطت كلمة التربية من الاسم لأن التربية غائبة من اجندة “المعلم” فإذا كانت غائبة عن الأجندة يصبح تكرار الكلمة التي تعتبر قيمة، استفزازا للملقي والمتلقي…

ثالثا، ادون ملاحظاتي وتجاربي الشخصية فقط، لا أنوي ان أهين ” المعلم” لكن اذا كان تدوين المؤاخذات يعتبر في قاموسه إهانة وانتقاصا، فليكن وليعرف اذاً اني أهينه وانتقصه واقصد تقريعه واستخفاف شأنه…

أبدأ من تجربتي الشخصية، بعدها ادون بعض الحقائق لقصص يمر بعض الأطفال من أهلي تكشف حقيقة كيف وصل الوضع في بعض المعلمين في البلد، وكيف انزلق الضمير التربوي والأخلاقي لوضع يصعب تصحيحه

12 عاما قضيتها في مدارس البلد، تقاطعت سبلي مع مدرسين من مختلف الخلفيات الثقافية والدينية والمذهبية والجغرافية، كلهم، كل من “علمني”، بلا استثناء، هو من القاع في الانحطاط والدونية… لم يخلفوا في مخيلتي الا انحطاطهم.. “علمني” السلفي السعودي في الرابع الابتدائي الذي اذا قلت له بحماس ” أنا بقرأ” قال لي ضاحكا ” ماذا تقول ، انت بقرة؟؟!!”، وعلمني البحريني الشيعي الذي كان يميز بين الطلاب بحسب الوضع المادي للطالب، وعلمني الفلسطيني السني رياضيات في الثانوي الذي مهما كان تافه الأمر الذي يقترفه احد الزملاء قال لنا ” لا يليق بكم الا قم في ايران” وعلمني الفيزياء بحريني شيعي الذي رآني مرة أجبت عن كل أسئلة نهاية الفصل في الكتاب لمقرر القوة والحركة سألني باستخفاف ” هل انت من حل كل هذه الاسئلة ام غيرك أجابها عنك ” ولم ينتظر جوابي وذهب للطالب الأول على المدرسة الذي قال له أيضا انه أجاب عن الأسئلة لكنه لم يعامله كما عاملني..ربت على كتفه وقال له “ممتاز” .. وعلمني رياضة بحريني سني كان يهزأ بنا باستمرار وكان ينادينا ” تعال يا ولد خديجوا، واذهب يا ولد زنبوا”.. وعلمني بحريني شيعي معمم بلا شخصية وبلا حضور وبلا هيبة كان يضع الدرجات كيفما اتفق دونما يعرف اسم أي طالب أساسا… كان حاد المزاج بلا اخلاق تعامل معنا كجمهور في حسينية.. وعلمني بحريني شيعي معمم آخر لم أتذكر منه الا تسميع الآية التي حفظناها ولم نتعلم منه أي شيء.. لا دين ولا علم، مكفهر الوجه دائما، متعاليا متكبرا.. علمني مصري سني ضربني ب ” سوط” الذي يستخدم للخيول لأني حاولت ان اجيب عن سؤال نحوي وكان جوابي خاطئ بالرغم من كوني انا الوحيد الذي حاول أساسا بينما التزم كل الصف السكوت… وعلمني بحريني شيوعي لغة عربية صفعني على وجهي امام كل الطلاب وطردني من الصف لأنه سأل سؤال نحوي ولم يتقدم احد للإجابة فحاولت بنفسي وقلت له بعفوية الطفل الذي يريد ان يحاول ” مادام انه منصوب فلابد ان يكون مفعول به” وعندما قال لي خطأ ، قلت له إذاً هي اعرابها حال منصوب. فما كان منه الا انه صفعني وطردني… وعلمني بحريني شيعي علوم الذي بدل من أن يعلمنا يخرجنا لحديقة المدرسة ” لنجز” الرويد والبقل..

هذه حصيلة مختصرة لتجارب مع كل الأعراق والمذاهب فلا يتنطع لي أحد ويقول ان التعليم تردى بسبب التجنيس… التعليم متردي منذ زمن بعيد جدا لكن لم يسلط عليه الضوء… لنترك الأجانب ولنتوجه اليك أيها المعلم البحريني ، سني كنت ام شيعي، هل يا ترى انحدرت اخلاقك ومواهبك ونفسيتك تجاه التعليم بسبب التجنيس؟؟ كيف؟؟ ام ان هذه نفسيتك وهذه اخلاقك ومواهبك وقدراتك وضميرك وانت تستخدم التجنيس والحكومة ذريعة اليك لتمارس عربدتك في مصائر الأجيال..

قبل عدة شهور في مدرسة ابتدائية للبنين في منطقة العكر والنويدرات ضرب معلم بحريني شيعي احد الأطفال من اهلي، ضربا مبرحا اضطر اباه ان يأخذه الى مركز بتلكو لحماية الطفل ومركز الشرطة ليسجل شكوى والى الوزارة ولتصوير وتوثيق اثار الضرب على جسده والى المستشفى للمعاينة…السبب؟ كان مزاج المدرس غير جيد..ماذا حصل؟ لا المدرس اعتذر، ولا المدرسة اعتذرت ولا المدير اعتذر، ولا المدرس عُوقب ولا أي شيء من هذا القبيل…

سألت بعض الأطفال في ذات المدرسة عن الدروس واي مادة يحبونها افضل من الأخرى واجابوا انه يندر ان يكملوا 6 حصص في اليوم، والسبب؟ غياب المدرسين ( للعلم، بحرينين أبا عن جدا). قالوا انه لا بد ان تكون حصة فراغ يوميا لان المدرس غائب.. اما مدرس الدين فهو يأتي ويجلس على الطاولة ويمسك تلفونه ويطلب منهم ان يخرجوا الكتاب ويتحفظوا السورة، ويأتي في الحصة الثانية من الأسبوع يبدأ بتسميع الآية وبعدها يجلس على الطاولة ويقضي الوقت على تلفونه، يستنتج الاطفال ان هذا الوقت هو وقت ترفيه لهم… اما مدرس العلوم ( البحريني أيضا) فهو يجمع دفاتر الطلاب التي ” نسخوا فيها” ويعطيها لأحد الطلاب ” الشطار” في الصف ليصححهم نيابة عنه قائلا له ” حط نظر ونجمة لكل واحد” على مرأى ومسمع من الأطفال ومن ثم يجلس على مقعده… ومدرس الرياضيات غائب ” بعذر صحي” ليزور الأربعين والمشرف لذات العذر يطوف بيت الله في الحج..

المدرسون كثيري الشكوى والتذمر.. في كل محفل هم شاكون متذمرون..ولا يريدوا ان يواجهوا حقيقة ان أوضاعهم المالية والميزات التي يحصلون عليها هي اكثر بكثير جدا جدا مما يقدموه للأجيال… انتم تدخلون الصفوف مثل الروبوتات، او الببغاوات التي تكرر وتستنسخ ذات الأسطوانة وتذهبون..

مهلا مهلا ، قبل ان تتهمني بالتهجم والتعميم والاهانة، اجب على هذا السؤال ، كل عامل يُحكم عليه بما ينتجه ، بما تنتج يداه، اسال نفسك أيها ” المعلم” ماذا انتجت يداك” انظر حولك ماذا ترى؟ الاف الافراد الخائبة الضائعة التي لا تعرف ما المستقبل ولا تعرف ماذا تريد ولا تعرف ماذا يريد المستقبل منها..

مهلا أيضا، هلا أوقفت هذه الأسطوانة المشروخة ان الجهد متواصل في البيت والمدرسة وأن ما يقضيه في المدرسة اقل بكثير مما يقضيه في البيت

المدرسة لو كانت حقا مدرسة، والتعليم لو كان حقا تعليم، لو لساعة واحدة فقط، ولو كانت هناك حقا قيمة واثر في عقل ونفس الطالب  لأثر ذلك على باقي ساعات يومه..

فنلندا ، مثلا، تعتبر من ضمن اقل الدول في ساعات الدوام المدرسي، لكنها اكتسحت قوائم الأداء التعليمي حسب المعايير الدولية وسأطلعك على تفصيل التعليم في فنلندا لاحقا لترى بأم عينيك بالأرقام من يستحق كلمة معلم..

ملاحظة أخيرة واجبة، عندما كررت كلمة شيعي او سني او الجنسية ليس من منظور طائفي او لزرع الفتن والحساسيات لكن لأوصل رسالة وهي: لا فرق بين شيعي وسني وبحريني ومصري وغيرهم اذا انعدم الضمير وغابت روح المسئولية تجاه البلد واجيال الطلاب .. والرسالة الثانية هي انه آن الأوان لكل بحريني ، شيعي اوسني، ان يوقف التذرع بالتجنيس لتبرير اخطائه وكسر المرآة التي يجب ان يشاهد بها نفسه..خوفا مما تعكسه المرآة له.. والله من وراء القصد

خمسة أشياء ندموا عليها قبل الموت

في استراليا أمريكا وأوروبا وبعض الدول الآسيوية هناك وظيفة رائجة جدا وهي الاهتمام الشخصي المنزلي في كبار السن.. اشخاص يطلب منهم بأجر ما بأن يأتوا في وقت معين وينصرفوا في وقت معين (في معظم الأحيان لا يسمح له بالانصراف اذ يلازم المنزل ويأخذ إجازة أيام معدودة بحسب الاتفاق).. خلال فترة عمله يلتزم بالشخص المسن الذي وظف من اجله تفقد رعايته اهتماما كاملا، من المساعدة في دورات المياه الى قراءة الكتب لهم و الجلوس معهم فقط للتحدث وتسليتهم..تنتهي فترة العقد في اغلب الأحيان بوفاة المسن…

“بروني وير” امرأة استرالية تميزت في هذه الخدمة وبلغ صيتها العوائل التي في حاجة لهذا النوع من الخدمات من الاسر اللذين لا يطيقون أن يرسلوا ذويهم لبيوت المسنين ولا يقووا في الوقت ذاته على رعاية احبابهم بأنفسهم..( بالرغم انها سليلة بيت غير مستقر ولا يوجد فيه حب كبير الا انها تميزت في هذه الخدمة بسبب اخلاصها وحبها الدفاق لمن هم تحت رعايتها).. لأنها مخلصة ومحبة لهم، ولا تخدمهم لأنها وظيفة فحسب بل كانت ترعاهم بمنظور انهم رجال ونساء متعبين.. في حاجة للعون..وهي مستمعة وقارئة جيدة..فتح لها المسنون قلوبهم…شاركوها قصص حياتهم ..آلامهم…احزانهم وافراحهم..كل شيء افتخروا فيه وكل شيء ندموا وتحسروا عليه…

دونت تجربتها في كتاب يحمل عنوان هذا المقال..

من كل تجاريها من من رعتهم، وجدت ان هناك خمسة أشياء مشتركة كل واحد منهم اسر لها عن ندمه عليها وهي:

الندم الأول: ليتني كانت لي الجرأة والشجاعة ان احيا حياتي كما كنت اريدها لا كما كان من حولي يتوقعوا مني ان احيا

الندم الثاني: ليتني لم اعمل كل هذه السنوات..ليتني قبلت بالبساطة وتقاعدت مبكرا لأنعم بالحياة بحرية

الندم الثالث: أتمنى لو كانت لدي الشجاعة في التعبير عن حقيقة مشاعري كما كنت اشعر بها، مشاعر الحب والكره.. المعزة والسخط

الندم الرابع: ليتني لم افرط في الأصدقاء الشرفاء الذين خبرتهم وامتحنتهم ووجدت صفاء قلوبهم ونقاء سريرتهم .. ليتني واظبت على التواصل معهم رغما عن طبيعة الطروف وبعد المسافة

الندم الخامس: ليتني كنت سعيد..ليتني عرفت معنى السعادة الحقيقية قبلا..ليتني ادركت انني لأسعى للسعادة في المستقبل كان لابد ان لا انسى سعادة اللحظة الحاضرة..

أثناء عملها، كانت تنام بروني في مقطورة في الشارع تؤجر بشكل يومي..بعد ان نشرت الكتاب، ترجم ل 29 لغة وبيعت ملايين النسخ منه…واصبحت تدعى للمؤتمرات والندوات والدورات لتصدح بتجربتها وبالحكمة التي فتخت أبوابها اليها من رعايتها للمسنين..

مالذي نستفيده من هذا الكتاب وهذه الندامات الخمس؟

لا نحيا حياتنا وفقا لما نريده نحن لأننا نحب الانتماء.. واذا اختلفنا لفظتنا بيئتنا ومن نريد ان نندمج معهم.. نشعر بغربة ووحدة بسبب عقد نقصنا وشعورنا بالدونية لذلك الاختلاف يخيفنا ويخفينا من انفسنا.. سخط من حولنا من اختلافنا يخيفنا علاقة الابن بوالديه ، الاخوات والاخوات ببعضهم، الزوجين، كلهم محكومين في الأغلب بالحياة خارج جلدهم.. بالتصرف والتعبير وفق ما يتوقعه منهم من حولهم…

يمكننا ان نقول لأنفسنا: هذه قائمة الأشياء التي لا اريد ان اندم عليها في شيخوختي..ليست بالضرورة ان تكون قائمتك مطابقة لقائمة بروني.. المهم ان تكون لديك قائمة…

“جيم رون” يقدم لنا نصيحة بسيطة لكنها معبرة اذ يقول ” فلتكن قائمة نداماتك في شيخوختك مليئة بأي شيء  الا ان تحتوي على انك لم تحاول قط..”

انها حقا غصة ان تكون على سرير المرض والموت وتستدعي شريط حياتك وترى أن اُس احزانك انك لم تحاول.. ولم تجرأ على التعبير عن رايك ولم تجرأ ان تقول لمن لا تحبهم او تحبهم بكرهك او محبتك.. ان لا تجد صديقا مخلصا وان وجدت ترى انك ضيعته بهجرانك وصدك..

..

 

مشاهدة ذات الفلم تكراراً مرض ام اعراض حالة

هناك اعمال فنية لا تتوقف ، كلما سنحت لك الفرصة ، عن مشاهدتها بشغف المشاهدة الأولى مرة بعد أخرى.. تعرف تفاصيل الأحداث ودقائقها دون شعور بالسآمة والأمل..

السؤال هو : لماذا تشاهد شيء سبق لك مشاهدته عدة مرات، فلم او رواية او مسلسل?

الجواب هو أنك تكرر المشاهدة لأنك تبحث في هذا العمل عن شيء تفتقده.. مشاهدة العمل تجعلك تشعر ،بشكل مؤقت، انك جزء من العمل، اي تمتلك او تقترب مما تفتقده، وهذا ما يعطيك شعور باللذة والفرح وينفي عنك السآمة.

اذا كنت تشاهد اعمال اجرامية محكمة والفاعلين عبقريي التنفيذ ، ربما تشاهده لأنه بودك لو انت كذلك.. لو كنت تخطط وتنفذ وتحلل وتتقن امورك وتنتهي مآلاتك في حياتك اليومية وفق لهذا الترتيب العبقري لكنه لسبب او لآخر لا يمكنك ذلك فتجد عزاءك وسلوانك في العيش في اجواء العمل..

او ربما تشاهد، تكرارا، عمل رومانسي لأنك تتوق لتكون مكان البطل وفي جاذبيته وألقه…تفتقد في حياتك لقدرتك ان تكون مثله…

او ربما تتابع تكرارا عملا فيه روح الصداقة القوية لأنك تفتقد لذلك في حياتك.. تفتقد للأصدقاء الحقيقين الذين يحبوك لذاتك دون حقد او حسد او غيرة و ” يفزعوا” لك حين يعز الناصر والمحب…

او ربما تتابع عمل فيه شخصية فكرية علمية او ادبية مرموقة .. وتراودك احلام اليقظة في ان تكون مثل هذا الشخص.. والعمل الفني كلما اعدت متابعته غمرتك ما تغمر به احلام اليقظة حالميها..

اذا كنت تشاهد عمل كوميدي مرارا وتكرارا، ربما انت لا تضحك لمضمونه بعد تكرار بل تضحك لتذكرك الحالة اللي كنت تضحك بها قبلا في الماضي..

حالات كثيرة جدا يصعب حصرها لكنها ليست بمرض… وليست بالشيء السلبي… المهم انك تعي لماذا تكرر وتكون متصالح مع نفسك في ذلك وراض.. وتحاول ، عندما تصل للسبب، اما بالتعايش والتأقلم مع ما تفتقده او تسعى لتحقيقه.. فإذا كنت تفتقد الصداقة فلا تبتأس.. استمر في المشاهدة ابدا ما بقييت وبقي الليل والنهار .. فالاصدقاء الذين تحلم بهم لن تجدهم ربما في كل حياتك…هؤلاء لا يتواجدون ربما الا في الاعمال الفنية…واذا كنت تفتقد لجاذبية الرومنسي والمفكر، الخ، فهذا شيء يتأتى بالممارسة والفكر…

المحصلة هي اسأل نفسك لماذا هذا العمل بالذات لا اسأم من تكراره… ماذا اشعر بمشاهدته…

وستصل للكثير عن نفسك…

 

يكفي تحريضا ايها “القادة”

أولا، التحريض هو الحث والدفع والترغيب في شيء تكون عاقبته، حسبما يتخيل المحرض وضحيته محببة..

ثانيا، نجاعة التحريض وفشله تتوقف على عوامل عدة منها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية، ..ومنها أيضا شخصية المحرض ومدى قبوله ورمزيته وقدرته على  الاقناع …

ثالثا، ينجح التحريض بالتكرار في كل أنواع الخطابات ذات النسق الواحد .. والتي تفضي فيها الخطابات الى وعود متخيلة تشكلت صورتها جيدا في فكر المتلقي للترغيب والتحريض حتى لكأنه يرى هذا الحلم قريب من التحقق..

رابعا، التحريض لا ينحصر في السياق السياسي فقط… هناك التحريض الاجتماعي الذي يمارسه الرجال على بعضهم وتمارسه النساء على بعضهن ويمارسه الرجال والناس على بعضهم كذلك..

خامسا، لا يمكن ان ينجح التحريض والمحرض في مسعاه الا اذا كان هناك جاهزية وبيئة خصبة للتلقي والتأثر بهذا الترغيب…فلا يمكن ان يكون تحريض لا شعوري، نعم يكون الانصياع للتحريض بطريقة تبدو انها لا واعية لكنها ما حدثت الا وفق عملية واعتبارات عقلية ومنطقية وشعورية جالت في خاطر المتلقي ووازنها واستسلم للترغيب بوعي ( بغض النظر عن ذكاء الوعي) لكنه لبى التحريض لأنه مستعد لذلك…وبالتالي اذا اردنا ان نعالج التحريض لا نحتاج بالضرورة الى اسكات المحرض بل لتغيير نفسية وعقلية المتلقي والجمهور ومن ثم الجمهور سيختار بعدها بكل وعي ان لا يستسلم لهذا الحث وسيفشل مسعى المحرض.. دع المحرض يعرف بتدرج ان لا حظ له في هذا الجمهور وسيندثر ويتعظ من ذلك امثاله… لا يمكن ان ينجح سياسي في تحريض فقراء معدمين على الثورة الا اذا كانوا فعلا معدمين..ولا يمكن ان ينجح شخص في تحريضه لرجل آخر على تعدد الزوجات او عدم الاهتمام بعائلته او ارتكاب معصية لو لم يكن هو جاهز نفسيا لذلك بفعل عوامل كثيرة جدا سابقة…

مثلا، من يقود المظاهرات والمصادمات مع الشرطة، هل المتفوقون ام غير المتفوقون؟ عندما يكون هناك نداء من منبر ما، هلموا يا ثوار ، هلموا يا احرار، لنخرج لنعتصم في مكان ما، وندافع عن كرامة كذا ونصون حومة كذا، ونذهب قربان لكذا، من يلبي هذا النداء… الحالمون ام الغير حالمون، المتفوقون ام غير المتفوقون، من يغمره اباه بالاهتمام ام من لا يرى من ابيه اهتمام، من يشعر باحترام لنفسه ام من لا يشعر باحترام، من يشعر ان لديه اختيارات في الحياة ام من يشعر ان لا خيار لديه، الخ. ؟؟ انا لا أقول ان من كل من يتظاهر هو من السلبي في كل شيء.. انا أقول ان الحالم المتفوق الواعي الممتلئ امل وحب والمغمور ( او على الأقل المتوفر على القدر الأقل ) من الحب والاحترام لن يسعى للمغامرة ولن يلبي هذا النداء.. لان لديه الكثير في الحياة ليعيشه… هو يشعر ان لديه خيار آخر غير ان يكون في السجن.. او ان يصاب.. أو يقاطع مدرسته معتصما ومضربا مقدما مستقبله وتعليمه قربان لمن يحب ويقدس بدون وعي..

لنكن صادقين مع انفسنا ونراقب ما حولنا بتجرد من نرجسية الانتماء والشعور ولو لوهلة، انظر الى الشارع في قريتك، من تعتقد يحرق الإطارات في الشارع؟ أشخص لديه أمل… لديه حب لنفسه.. لديه حلم يسعى اليه.. لديه حس تحقيق ذات…. ارجوك لا تقل لي الحكومة قتلت امله… بيئته الصغيرة قتلت امله قبل ذلك… ستقول الحكومة قتلت الامل في ابيه واسرته وخرج هو على دين ابيه من الضياع .. أقول اليك لا يعيش الانسان ” مبني للمجهول” يفعل به ولا يفعل… كل ما يحدث لأي شخص هو صنيع نفسه وصنيع مجتمعه..لا يمكن ان يعيش انسان أي ظرف لا يكون لديه أي قدر ولو صغير جدا في حدوثه… نحن بانفسنا، ببيئتنا وتفاصيلها…بثقافتنا، بطقوسنا، بممارساتنا، بطريقة زواجنا، بطريقة انجابنا، بطريقة تفاعلنا مع بعض، بطريق نظرتنا للآخر بطريقة نظرتنا للعالم ، بطريقة فهمنا للعالم صنعنا الاثنين، صنعنا المحرضين والضحايا الجماهير…

بطريقة فهمنا للدين، صنعنا المنابر.. وصنعنا ذهنية تعاطينا مع المنابر ومن يشتغل بها وعليها…ومنطقية فهمنا للدين…فسرنا السياسة تفسير لم يتساوق مع التفاسير الحاكمة في العالم…

من هم المحرضون في مجتمعنا؟ أولا هناك التحريض السياسي، أي عمل ترتكبه أي سلطة تجاه الجمهور يشعر من خلاله انه مغبون فان هذه السلطة تعتبر محرضة ..

المحرض الآخر هو من لا يأمر مباشرة ولا يحث بشكل مباشر لكنه دائم التكرار والترديد بمحاسن النضال، والثورة ، يردد نفس الكلمات والمفردات، مآلات الثوار، مكانتهم، يرمي كلمات الجهاد والتضحية والحراك..

المحرض الآخر هو من يأمر بشكل مباشر لفعل ما…وهو كاحد افراد العصابات…

المحرض الآخر هو من يتخصص في تسويد الرؤية والصورة عند الناس والتبرير لهم انه كل ما فيهم هو ليس من صنعهم بل صنع حكومة او سلطة او مؤامرة دولية.. وانه لا سبيل الا مقاومتهم…هؤلاء المحرضون تبريريون عدميون..

لماذا يحرضون؟

منهم من يحرض لأنه جبان… لا يقوى على التغيير بنفسه.. لا طاقات ذهنية ولا مهارات ولا كمالات..كل ما لديه هو لسانه… ومفرداته التي يتلاعب فيها ليفسد تفكير الجماهير ويهز ثقتهم في انفسهم…

ومنهم العميل..

ومنهم المحرض التاجر.. الذي يحرض ليكون رمز… ويسعى جاهدا ان تراه السلطة كذلك بغية ان يتفاوضوا معه وان يعتبروه هو الرقم الصعب في المعادلة وبعد ان يعتبروه كذلك يمكن ان يناله نصيب من توزير او منصب رسمي عال ليأمنوا من “نضاله”، وبعدها سيتوقف ويعتزل عن التحريض…والغريب ان هذه النسق تكرر كثيرا وما زالت الناس في المجتمعات تمارس ذات الدور… ترفع من يحرضها لمصاف يكونوا هم تحت قدمي من رفعوه قبلا..

ومنهم من يحرض بنية طيبة لكن بأسلوب يفتقد للرشد وبترتيب اولويات لا يتسق مع الفطرة الإنسانية.. فمثلا بدلا من ان تحرضه، وان بنية حسنة، ان يطالب ببرلمان حرضه على التعليم.. ان لا يتغيب عن دروسه… حرضه على القراءة.. حرضه على العمل وجنى المال.. حرضه على الأدب والأخلاق.. حرضه على المحبة..حرضه على الأمل.. حبذا لو قبل ان تحرضه على الديمقراطية حرضته على تعزيز ثقته بنفسه، حرضته على فهم ثقافة الآخرين، حرضته على كيفية التعاطي مع المختلف، حرضته على اخلاق العمل، حرضته ان يقف لمن يعتلي المنبر في المأتم والمسجد ويختلف معه بأدب، حرضته ان يعيش وفق فلسفته هو لا وفق فلسفة احد.. حرضته ان لا يكون تبعا لأحد.. حرضته ان يعيش ويؤمن ان فكرته هو مجرد فكرة، للآخرين فكرهم أيضا، حرضته ان يحاذر من شعاراته في الحياة… ان لا يتبنى الا شعارا هو خطه وخبره…حرضته ان شرف عائلته ليست جسدا وعورة فقط، بل شرف عائلته وشرفه هو ضميره وعقله وحنانه ومروءته وانسانيته مع عائلته أولا وعلمه ودراسته.. حرضه أولا ان  يعامل والديه وجيرانه وزملائه ومعلميه بشرف وإنسانية واذا اجاد ذلك وبرهن عليه، بعدها يصدح بمطالبه السياسية..حبذا لو حرضتموهم على كل هذا قبل ان تحرضوهم على رفع شعار ” البرلمان هو الحل” أو ” ملكية دستورية”…وارجوكم لا تتذرعوا ان الحكومة منعت وافسدت عليكم خططكم ونفسياتكم في فعل ذلك.. هذا التحريض الوحيد الذي لا يمكن ان تحاسب عليه احد…

أيها المحرضون:

آن الأوان لكم أن تخرجوا من حياة الناس…دعوا الناس يفكروا لأنفسهم بأنفسهم…كفاكم محاولات فاشلة..

شكرا لكم.. شكر الله سعيكم.. هل يمكن ان ترحموا الجماهير وتنزلوا من على خشبة المسرح وتجلسوا في بيتوكم ولا تبرحوها…

اخرجوا من حياة الناس ولا نريد ان نراكم ابدا ولا نريد محبتكم ولا نريد حرصكم ولا نريد تضحياتكم ولا نريد نضالكم ولا نريد رمزيتكم.. آن الأوان ان تتركوا للناس مجال ليشعروا هم برمزية انفسهم وضمائرهم.. آن الأوان ان تتركوا الناس تقيم خياراتها دون تأُثيراتكم ودون اجتهاداتكم..

خبرناكم وجربنا اجتهاداتكم وتفسيراتكم وخطبكم وتحليلاتكم وتوجيهاتك ودعواتكم  وشعاراتكم المعلبة والمستهلكة والمتهالكة.. منذ التسعينات وانتم تمارسون العبث بمصائر الناس وافكارهم وقرارتهم.. ربع قرن وانتم تعربدون في ادمغة الشباب والأطفال والنساء… تعربدون في ضمائرهم وخياراتهم وثقتهم في  أنفسهم…

اخرجوا من حياة الناس ويكفي عربدة…

يا.. شكرا لك.. بعد ان تخرج من سجنك لديك زوجتان.. نبتهل الى الله ان تعتزل السياسة وتخرج من حياة الناس وتدعهم يقرروا كما يشاؤون واستمتع بوقت مع زوجتيك هنأكم الله…

 ويا ….لا نريد منك اضرابك عن الطعام. اجلس في بيتك واضرب كما تشاء. ابنتيك تستمتعان بوقتيهما الآن في أمن وأمان في أوروبا. ابنتك خرجت بعدما حرضت وثورت وحمست الأطفال فمنهم من ترك دراسته وبدلا من جلوسه في صفه يجلس في زنزانته. وأين ابنتك الآن؟ خرجت دون خدش واحد ولم تمسسها رصاصة في قلبها ولا صعق كهربائي.. خرجت بكامل اناقتها وشعرها المنسدل على كتفيها… فهلا تكرمت واخبرتها.. في اتصال هاتفي.. اننا لم نعد نريد نضالها.. واما ابنتك الأخرى فلله ذرها.. تمارس نضالها للشعب من وراء تويتر تعتقد ان وزير الدفاع والخارجية ورئيسة الوزراء في بريطانيا جالسين مثلا لا شغل لهم تاركين لمسئولياتهم  كم ترك الأطفال واولياء امورهم في بلدنا مسئولياتهم تجاه تعليم أبنائهم ولم يحركوا ساكنا لامتناع اطفالهم عن مدارسهم في يوم محاكمة هذا وذاك وذكرى هذا وذاك….

يا… عافاك الله،  لم نرى منك الا التفرقة والاحتجاج على كل شيء واي شيء.. انت فقط تحتج لتكون معارض… هل يمكن بعدما تخرج ان تلزم بيتك ولا توجد ضرورة ان تبحث عن حزب او جمعية لتنضم اليها فقط لأنك  تريد ان تنشق عنها بعد سويعات.. اذهب لولدك الذي يستمتع بجوه في لندن واقضي ايامك الأخيرة هناك لا تثريب عليكما فلقد اجدتما في نضالكما جيدا في حق هذا الشعب..

يا … يكفي بحق الله والانبياء والرسل، يكفي خطبا.. منذ التسعينات وانت و…و…تعربدون في مجتمع الشيعة كما شئتم، تناحر الناس وكرهوا بعضهم بسبب ذكائكم السياسي الدفاق.. لا الناس احبت بعضها ولا الناس حققت ما تريد .. كل ما كسبته يا … هو تقديسهم الزائد لك الذي ما زلت مع الأسف تتاجر فيه..

يا …. ، ابنك يا ترى تغيب عن مدارسه الخاصة؟ هل اتصلت له من سجنك وطلبت منه يتغيب عن مدرسته في يوم محاكمة هذا وذاك؟ هل بات في خيمة من خيم الدوار؟ وهل باتت زوجتك وابنتك في خيم الدوار؟ ولماذا لا نشاهد ابنك على خط النار مع الأطفال الذين حرضتهم ونفختهم واوهمتهم انهم ثوار مناضلين وان لا خيار لهم البتة في هذه الدنيا الا الإطارات والمولوتوفات والمظاهرات والمواجهات، بعكس الخيارات التي يستمتع بها ابنك وابنتك؟ ولا اذكر انني شاهدت ابنك تجره شرطة الشغب في المنامة عندما كنت تخرج وتحرض الناس للحاق بك عندما ما زلت تتباهي بسذاجة معتقدا انك خط احمر وانك محمي من امريكا… ام ان ابنك وبناتك للخدر و”الزلابية” واولاد الآخرين للتحريض والمواجهة والغياب عن المدارس والضياع..

وأين ….الصحفي الذي  وقف في الدوار يقول لهم ويحرضهم ” انتم من تقرروا مصيركم.. وانتم تصنعون الانجاز ( تصوروا انه يوهمهم بإنجاز ان مساعد وزيرة الخارجية مكث في البحرين خمسة أيام عام 2011 هو انجاز مدو لهؤلاء ال ” الثوار” ) وبعدها ينزل من المنصة وينام في منزله العامر ( غالبية من حرضهم لن يسكنوا بمثله بعد 15 سنة على اقل تقدير) ويصبح الصبح يصحب أولاده لمدرسة سانت كرستوفر ومن حرضهم قاعدين في الدوار بدون مدارس مضربين.. وانضالاه

سؤال أخير، الم تصل أخبار امتناع الأطفال عن المدارس والتخريب في الشوارع والاملاك العامة انتفاضا لمحاكمة….، هل خرج وطلب منهم عدم العبث والتخريب في الأملاك العامة وتعطيل مصالح الآخرين وحث الأطفال على الذهاب لمدارسهم بدلا من الاعتصام في الشارع قرب منزله او الجلوس في بيوتهم بدون تعليم تضحية وفداء له… الجواب هو لم ولن يفعل..

 

مراتب الاخلاق

هل مررت بهذه التجربة: ان تقرر ان تمتنع عن شيء سلبي لترتقي بأخلاقك وتنجح في أحيان قليلة جدا وترى نفسك قد عدت تمارس ذات السلوك او تتلفظ بذات الألفاظ أو تنتهج نفس الأسلوب؟ لماذا يحدث ذلك؟

الجواب هو أن هناك ثلاث مراتب للأخلاق:

المرتبة الأولى هي مرتبة “الحال”… في هذه المرتبة تكون الصفات الأخلاقية قصيرة المدى تتغير بسرعة… وتكون ممارستها بحسب الحال…أي بحسب الوضع الراهن… فإذا كان الفرد بمزاج جيد مثلا، تبرع او ساعد او آزر او عفى واصلح… وترفع عن الظلم، الخ…واذا كان بمزاج سيئ ظلم وبطش وانقلب على مبادئه… يصادف امر إيجابيا بعيد ذلك بقليل فيعود الرجل الأخلاقي مرة ثانية…وهكذا دواليك..

المرتبة الثانية هي مرتبة “الملكة”…عندما تصل القيم الأخلاقية في الفرد لمرتبة الملَكة  تكون ليست منفصلة عن جوهر الانسان كما هو الامر في مرتبة الحال، بل أن الصفات الاخلاقية أصبحت مندمجة اندماج قوي جدا في تكوينه وانه لا تتغير صفاته بتغير حاله في المستقبل القريب… يمكن ان تتغير صفاته الأخلاقية الإيجابية لكن بعد فترة طويلة جدا وبعد ان يمر بمسلسل طويل من الخيبات والاحباطات والظلم والبطش… فهو كريم وحليم وصابر سواء كان في حالة مزاج جيدة او لا غني او فقير متعب او مرتاح، لديه مالكية وسيطرة على صفاته الأخلاقية لذلك سميت ملكة… لكن هذه الملكة ممكن ان تتغير او تزرع في الشخص عندما يدرب نفسه جيدا على ذلك…لذلك يقال ” ملكة” الكتابة” و ” ملكة الخطابة”، بما يعني قدرات لا تضمحل بسرعة لكنها تضمحل ببطء مع مرور الوقت مع الإهمال وانها لا تتأتى الا بعد وقت طويل جدا…لنأخذ الحلم والغضب.. بعضنا يقول ” مارست اقصى درجات الحلم في هذا الموقف (اختلاف مع أحدهم في فترة خمسة عشر دقيقة مثلا) لكني ما لبثت ان انفجرت وذهب حلمي عني” … هل يمكن ان أقول هذا الشخص لديه ملكة الحلم؟ في الواقع الحلم لديه هو ” حال”…لان الحلم لو كان ملكة لما ذهب في غضون 15 دقيقة فقط بمجرد اختلاف بسيط…

المرتبة الثالثة مرتبة المقام… الاخلاق في هذه المرتبة للشخص من صميم تكوينه لا تتغير ابدا ما بقي على وجه الحياة…مقيمة في تكوينه النفسي الروحي والفكري…لا تتغير بتغير الظروف…

فلو قمنا بتوجيه السؤال لأنفسنا، أخلاقي مع نفسي واهلي واصدقائي والناس عموما في اي رتبة تصنف؟ كم من صفاتي الاخلاقية حال، وكم منها ملكة واي منها مقام…

 

زوجوه.. استقر لتتزوج ولا تتزوج لتستقر

كم مرة سمعتم كلمة ” زوجوه وسيستقر” أو ” أريد أن أتزوج لأشعر بالاستقرار” أو “ابحثوا له عن امرأة تهدأه”…

ارتبط مفهوم الزواج بالاستقرار لدى الناس…هذا المفهوم اعتراه خلل كبير جدا…يصعب معرفة جذور هذا الخلل، ولا يهم معرفة جذوره، اذ ما يهم هو دراسة مؤثراته ومحاولة تصحيح المفهوم… ارتكبت مظالم كثيرة جدا بهذا المفهوم… مظالم لا يمكن لعجلة الزمن ان تعكس سالب تأثيرها على قلوب وارواح نساء ورجال عدة…

الاستقرار بالنسبة للبعض هو ” استراحة محارب” من التنقل من حضن فتاة لأخرى في علاقات جنسية غير شرعية.. الاستقرار تعنى لهؤلاء  “جربنا ولعبنا ورأينا عينات كثر، وآن الأوان لنركز على واحدة فقط ونترك العربدة”…

الاستقرار للبعض هو نفي الحالة..

 نفي حالة الوحدة.. نفي الحاجة الجنسية..نفي الحالة المادية ربما..

الاستقرار بالنسبة للبعض إرضاء ضغوط الوالدين من اجل الواجهة الاجتماعية لانه من غير المقبول اجتماعيا لهم ان يصل ابنهم لمرحلة معينة كرجل دون زواج..

الاستقرار بالنسبة للبعض جرعة دواء من مضاد الإحباط والملل والياس والشعور بالضياع…جرعة ربما تسهم في إضافة معنى وتوضيح طريق حياة…

الاستقرار لبعض العوائل هو علاج الإدمان والمخدرات والعربدة والزنا والسكر..فترى بعض العوائل اذا كان احد أولادها ماض في طريق غير مستقيم اول واهم علاج يفكروا فيه ” تزويجه” ، فيتنادون بينهم ” زوجوه وبيعقل”، يتزوج وينجب أولاد من المرأة المسكينة، فتعود ” مظاهر” عدم الاستقامة التي كان يمارسها في الظهور فاذا كان صاحب علاقات جنسية يستأنف علاقاته واذا كان سكير يعاود السكر ويعاود المخدرات وربما يعاود ويستأنف انشطته بزخم اكبر من ذي قبل لكن هذه المرة لن يتنادى اهله فيما بينهم بشيء البتة…لأن الابن العزيز ” مستقر”. هم فرحون مجتمعيا ان ابنهم متزوج ” مستقر” لكنها وحدها هي زوجته المظلومة من تعاني من ” استقراره الحقيقي” وبالطبع لا يهمهم امرها ، اعني اهله، لان تبريهم هو ” الكتبة والنصيب” و”المرأة تصبر على مر زوجها”.. فإن كانت امرأة فقيرة بسيطة الحال واهلها ليسوا وجهاء ستضطر ان تقارن بين اثنتين، بين السلة والذلة، اما المعاناة في بيت ابيها او المعاناة مع زوج ” مستقر” فتقرر ان الرجوع لبيت ابيها مر مضاعف .. مر الطلاق ومر الفقر فتختار مر ” استقرار” الزوج افضل…

وما الذي دفعها في القبول به أساسا؟ الجواب ان مظاهر عدم استقرار الزوج قبل الزواج لم تكن معروفة للناس فما تزال سيرته عطره في قريته فما ان سأل أهل المرأة في القرية عنه سمعوا ” زوجوه فهو خير من عائلة خيرة” وحدها عائلته من تعرف بمغامراته وغزواته الجنسية وسكره وعربدته وجرائمه…

المظهر الآخر من مظاهر ظلم العوائل في حق نساء العوائل الأخرى هو ظلم الاحتقار… العوائل التي لديها ابن وترغب في ” استقراره” عندما تريد ان تبحث لابنها عن زوجة يختاروا بعناية فائقة جدا… فلا يقربون الا الفقراء الذين يكونوا اقل بكثير من وضعهم المادي ظنا منهم انها لن تستطيع، حتى وان عرفت حقيقته، ان تقاوم اغراء الانتقال الجذري في الحالة الاجتماعية.. او يختاروا النساء الاتي آثرن عدم الزواج بالزواج من شخص ب”استقرارية” هذا الشخص وعائلته، ظنا منهم انها ستؤثر ” الاستقرار” في كنف ابنهم عن البقاء بلا زواج..

تصرفات هذه العوائل بهذا الظلم المبطن الفاقع وبهذا الاحتقار والاهانة للآخرين في رحلة بحثهم عن دواء لاستقرار ابنهم مدفوعة بأمراض مجتمعية دينية.. مجتمع المتدينين يعتقد ان الرجل لا يعيبه ماضيه…يمكنه دائما ان يغسل ماضيه متى شاء… بأي امرأة شاء ولا يضيره بذلك شيء..

الظلم لا يقتصر على العوائل بل يمكن أيضا ان يظلم المرء نفسه.. يتحرك بمفهوم الاستقرار أعلاه لأنه يعتقد ان الزواج سيزيح عن عينيه وبصيرته ضبابية الضياع والتيه في ممرات الحياة، لكنه يتفاجأ حينها ان الممرات كثرت وضاق بعضها واستطال بعضها الآخر حتى غدت نهايات هذه السبل غير مرئية.. وغدت الاحلام أقل و اصعب.. وضاق الوقت وقل .. فيندم على الزواج وتتأثر حياته وتتأثر حياة شريكته في ذلك…ويدرك حينها ان المشكلة لم تكن في عدم الزواج بل المشكلة تكمن في داخله…

الزواج لا يؤسس استقرار لشخص غير مستقر ولعائلة غير مستقرة…

استقر في احلامك.. استقر في امنياتك.. استقر في طريقة تفكيرك.. استقر في منهجيتك في الحياة.. استقر في قراراتك المصيرية في حياتك.. استقر في طموحك .. استقر في اولوياتك وقيمك في الحياة.. حدد أولا ما هو المهم لك..استقر في معنى سعادتك.. في ماذا يسبب لك السعادة اكثر..

بعد ان تحقق ذلك ابحث عن الشخص الذي ينسجم مع من وماذا استقريت عليه..

استقر لتتزوج ولا تتزوج لتستقر