حريات منفلتة 1

هناك مفاهيم كثيرة جدا يدور حولها لبس وسوء فهم كبيرين عند عامة الناس والنخب على حد سواء. من بين هذه المفاهيم ” الحرية”. تسبب ومازال وسيستمر سوء الفهم حول مفهوم الحرية بإحداث اشكاليات كبرى على الصعيد المجتمعي والسياسي والاقتصادي بل وحتى الاسري مؤديا الى انفلات كبير مسببا خسائر فادحة.

 احاول في هذه المقالات ان استقصي بعض مشاهداتي على ممارسة او محاولة ممارسة الجماهير لمفهوم الحريات.  

اولا:  حرية التجمع والتظاهر 

حرية التجمع والتظاهر حق انساني وهو حق منصوص عليه في المحافل الدولية ( راجع الإعلان العالمي لحقوق الانسان بند رقم 20 والمؤتمر الاوروبي لحقوق الانسان مادة رقم 11 والمؤتمر الأمريكي لحقوق الانسان مادة

 رقم 15 ). تعرف حرية التجمع او التظاهر على انها قدرة الناس على التجمع مع بعضهم بشكل جمعي للتعبير أو الترويج او متابعة او الدفاع عن أفكارهم.

في البحرين، طالب ويطالب المعارضون للحكومة بشدة بهذا الحق ولا يقبلون أي مساومة في صراعهم من أجل هذا الحق كما أنهم يستميتون في ممارسته وقدموا وما زالوا يقدمون تضحيات كبيرة من اجله. 

في الوقت الذي لا يختلف، في ظني، بحرينيان اثنان على انه حق مشروع، اعتقد ان جمهور المعارضة اغفل نقاط كبيرة وكثيرة جدا في صراعه من اجل هذا الحق وانه أيضا يصارع من اجل هذا الحق بانتقائية فاقعة. اطرح بعض هذه النقاط من مشاهداتي خصوصا في ضوء التجمع في الدراز. 

أولا: كونك معارض للحكومة لا يعني ان تتعدى على سلطة القانون في قرارك للتجمع في أي مكان شئت ومتى شئت ووقتما شئت. سيقال ان القانون لا يطبق على الجميع سواسية وستسرد الكثير من القصص والشواهد، كمبرر لضرب القانون عرض الحاط والقيام بالتجمع بالطريقة والوقت والمكان الذي يراه الجمهور. ان شعورك بعدم تطبيق القانون سواسية لا يعني ان تكسر انت القانون والنظام. إذا كنت تشعر بالغبن من قرار سحب الجنسية وتريد ان توصل فكرتك انك غير راض عن ذلك فهذا حقك كما ان للحكومة أيضا حق ان تحرص ان لا يتحول مكان الاعتصام لمكان مفتوح لكل فرد في كل قرى البحرين أن يأتوا ويبدوا رأيهم واذا قامت الحكومة بممارسة هذا هئا لا يعني انها تحاربك بل لسبب بسيط جدا وهو كما انكم تريدون ان تجمهروا هناك أناس لا يريدون ذلك وهناك أناس يريدون ان يمارسوا حياتهم بشكل طبيعي ولا يريدوا ان تغلق شوارع بسبب الاعتصام ولا يريدوا ان تتعطل تجارتهم وبرامجهم وروتينهم اليومي بسبب شعورك انت بالغبن. لك حق في التجمهر وللآخرين الحق في الحياة أيضا، في التجارة، في العبور بسلام، في التعاطي بسلام، الخ. فهل فكرتم يا من تتجمهرون في الدراز وتجمهرتم في الدوار بالآخرين وهل فكرتم ولو للحظة واحدة انه مهما بلغ العداء مع الدولة، فوجود سلطة الدولة والقانون، وان كنت تشعر انه لا يطبق بشكل متساو، هو أفضل بكثير جدا من اللا دولة واللا قانون واللا سلطة. يوم امس قتل رجل اسود في أمريكا بسبب عنف الشرطة الغير متجانس مع نوع العمل الذي قام به الضحية ( أي ان القانون لم يطبق بسواسية)، هل ترون ان من المعقول ان يقوم السود بالخروج للشوارع والجلوس في أي مكان شاءوا ليعبروا عن حزنهم ويغلقوا الشوارع ويعطلوا الحياة ويربكوا حياة الآخرين. نعم، سيتفهمهم الناس ويتفهموا مشاعرهم لو انطلقت مظاهرة هنا او هناك وتجمع هناك لفترة زمنية محدودة ومن ثم يتركوا القانون يأخذ مجراه، لكن لو قرروا ان يحتلوا شارع من شوارع مدينة فيرغسون او دالاس فسيثور عليهم حتى السود انفسهم بعد فترة من الزمن لإنها سنة الحياة.  
ثانيا، قارب جمهور المعارضة قانون التجمع بمنطق ولا تقربوا الصلاة وسكتوا. كما ان ادبيات حقوق الانسان تتحدث عن حق الناس في التجمع للتعبير عن آرائهم فإنها أيضا في ذات المقام تتحدث عن القيود، قيود التجمعات وتسمى قيود التجمعات هذه ب قوانين ومتطلبات الزمان والمكان والسلوكيات في وقت التجمعات. مع الأسف عندنا في البحرين هذه المتطلبات لا يلتزم بها جمهور المعارضة ابدا الا ما ندر وتجمع الدوار وتجمع الدراز الحالي هو خير مصداق لعدم الالتزام. هل شارع التجمع هو شارع مناسب للتجمع أساسا؟ منطقة سكنية لها روادها ومن حق ساكنيها او غير ساكنيها ان يعبروا فيها بسلاسة، فهل تمت مراعاة ذلك؟ نتفهم ان تشعر بالغبن لفترة وجيزة اما ان تحتل الشارع لأكثر من أسبوعين فهذا استهتار وتعدي على حقوق وحريات الآخرين قبل ان يكون تعدي على سلطة الدولة، وانا كما الكثيرين نفضل الحياة في سلطة دولة لا سلطة افراد وامزجة. البيوت المطلة على مكان التجمع من حق أصحابها ان يفتحوا بيوتهم لاستقبال واطعام من شاءوا لكن يبقى الشارع ملك عام والملك العام من حق الدولة فقط ان تنظمه وتتحكم به وليس من حق احد ان يتحكم في شارع ويحوله الى مائدة إفطار جماعي ومسجد ومأتم ودار عبادة لقراءة الادعية. من ناحية الوقت من حق الدولة ان تفرض عدم المبيت في الشوارع ليلا ونهارا ( في الدوار سمحت الجماهير لنسائها المبيت في الدوار وعلى الأرصفة في خيم كشافة، فهل هذا يتسق مع الغيرة والحمية التي اشتعلت في قلوب ذات الجماهير التي رفضت قانون الاحوال الشخصية صونا لحومة المذهب ولكرامة المرأة، سؤال بريء ليس الا) 
ثالثا: لماذا لا يفكر جمهور المعارضة الا من منطلق اناني بحت. لو فرضنا انك تريد ان لا تعترف بسلطة الدولة، ماذا عن افراد مجتمعك انت، ( اهلك وناسك) هل فكرت في مصالحهم التي تتعطل ام انك مسير فقط بالعاطفة التي لم تجرك لشيء سوى الدمار والهلاك الذي لحق بنا جميعا منذ ان فكرت بذاتك فقط في عام 2011 وانطلقت بعاطفة عدم الاعتراف بالدولة والتجمهر في المكان والزمان الغير مناسب واخذت عاطفتك تكبر وتكبر وتناسيت انه كلما كبرت عاطفتك كلما تعديت على حرية الآخرين الى ان وصلت الى الاقتتال فيما بينكم كجماهير المعارضة نفسها، وها انتم تكررون نفس الخطأ بنفس الروح الأنانية فتصرخون انكم غاضبون من الحكومة وستتجمعون في المكان الذي تحددوه ولن تفارقوا الساحات وتتمادون في الاستخفاف بحريات ومصالح ( اهلكم وناسكم) قبل ان تستخفوا بسلطة الدولة وهيبتها ومؤيدوها واصبح اهل القرية والمنطقة والطائفة بأكمها يتململوا ويتقززوا وينفروا ويختلفوا ويبتعدوا منكم ومن اساليبكم النمطية التي لا تحترمهم ولا تحترم الآخر ولو كان من أهلكم. منذ عقود ومعارضوا الحكومة بنفس المنهجية: “اعترض وعارض الحكومة واخرس من يختلف ولو كان من مذهبنا ومن قريتنا”. 
رابعا: انتم تدعون انكم تمارسون حريتكم في التجمع في الدراز دفاعا عن الشيخ. السؤال هو هل الشيخ وانتم  اعطيتم الحرية والحق لمن اختلف معكم واسميتوهم علمانيون في ان يخوضوا الانتخابات البرلمانية بكامل حقوقهم ام نبزتوهم وتم توجيهكم لعدم التصويت لهم. هل الحقوق تجتزأ؟ تريدون حق التجمع وتمنعون الناس من حق التصويت الحر الغير موجه. تريدون حرية التجمع وتمنعون حق النساء في قانون يحفظ كرامتهم ( قانون الاسرة الجعفري)، تريدون حرية تعبير ولا تسمعوا بل لا تفكروا أساسا في سماع الآخر في ذات القرية ان يعبر لكم استيائه من التجمع وغلق الشوارع وحرق الإطارات وغلق الشوارع بالقمامة واسياخ الحديد. تريدون ان تنتقدوا وتسبوا الحكومة وانتم ليس فقط لا تسمحوا ان يتحدث عن رموزكم، بل لا تسمحوا بكلمة: “فضوا الاعتصام، الناس تضررت وبارت تجارتها، سأمنا من اساليبكم ومن معارضتكم، نريد ان نعيش بسلام، اذهبوا وتعلموا التفكير الاستراتيجي واجترحوا أساليب الاعتراض والسياسة ثم تعالوا جربوا مجددا. لا تفقهون الا كلام المقاطعة والتجمع، واذا فض التجمع بالقوة اخذتم الصور ونشرتوها لما يسمى مؤسسات حقوق الانسان” 

هناك محلات ومصالح ناس متعطلة في الدراز والمنطقة المحيطة ولا يجرؤوا على الكلام خوفا من التخوين والتسقيط والاشاعات الكاذبة في القرية، مؤثرين الصمت وكتم غيظهم لانهم لا حيلة لهم في التواصل مع أشخصا مثلكم لا يرون في العالم الى أخطاء الحكومة ويغضوا البصر عن اساليبهم وتعاطيهم كمواطنين يحترمون غيرهم من المواطنين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s