الصناديق الخيرية بين فكر الحصالات وفكر التنمية

فكر الحصالات هو فكر الرجل الملثم الذي يخرج في ظلام الليل يمر ببيوتات الفقراء والمعوزين يرمي عليهم ما جنته الحصالات ولا يتقاضى على ساعاته الليلية قرشا واحدا. فهو رجل واحد يعمل في السر.

فكر الحصالات هو فكر الوساطة بين المتبرعين الذين لا يعرفوا او لا يريدوا ان يعرفوا المعوزين ويتواصلوا معهم بشكل مباشر فيعطوا أموالهم لصاحب الحصالة لكي يمرر هذه الاموال الى المعوزين. مجرد وساطة وان أخذت أشكال مختلفة فأنها لا تعدوا كونها دور ” الممرر” للأموال ( dispatcher ) على أحسن تقدير.

فكر الحصالات هو الفكر القائم على فلسلفة انني مقيد شرعا في التصرف في أموال التبرعات الا في انفاقها مباشرة وحصرا على من لا يملك خبزا او دارا. هو الكفر القائم على التحرك فقط وفقا ل ” نية” المتبرع الذي وضع الأموال في الحصالة. فكر الحصالات هو الفكر الذي لا يفهم شيئا سوى ان يراكم الأموال ويراكمها بالآلاف لكي تستفيد منها البنوك بينما يمعن في اذلال متقدم لطلب مساعدة للعلاج بملبغ 1500 دينار بكثرة الدلائل والقرائن التي تثبت حالته وفي الأخير يعطيه 50 دينار!

فكر التنمية، في الجهة الأخرى هو الذي يتصرف كمؤسسة ريعية وان كانت غير ريعية. هو الفكر القائم على فكرة ان الصناديق الخيرية هي مؤسسات تنمية بشرية وليست ممرا فقط للأموال من جيب شخص ممتلئ الى جيب شخص فارغ. هو الفكر القائم على الأمانة الحقيقية هي ليست تراكم المال وانما تنميتها، ، القيام عليها لتزيد وتتضخم ليحقق الصندوق ” اكتفاء ذاتيا” بدلا من توزيع الحصالات في البقالات والمقاهي.

فكر التنمية هو الفكر الذي يتصرف في الأموال ليس وفقا ووقفا على ما تقول عمامة هنا او هناك بل يدفع المال، من اموال الصدقات، ليأخذ استشارة الاقتصادي المختص في كيفية تكثير الأموال ونمائها، ويأخذ استشارة الدكتور والمدرس المهندس والمحاسب لذات الهدف.( الغريب والمثير في صناديق القرى ان هناك هوسا غريبا بالرجوع الى رأي العمائم في مسألة اقتصادية. كيف لعمامة لا تفقه الفرق بين الشركة والبنك ان تُستفتى في التصرف بالأموال!!)

لقد أثيرت نقطة مهمة وهي كيف يتم صرف رواتب لكوادر الصناديق والقيام بالاقتراح المذكور اعلاه في البذل من اجل الاستشارة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها؟ الا يعتبر ذلك اساءة للأمانة في التصرف بأموال التبرعات في غير وجهها.

الجواب هو: كما قلنا من قبل اذا فكرنا ان الصندوق هو مؤسسة تنموية بشرية فانه لا بد لها من موارد والموار لا يمكن ان تكون موقوفة على تبرعات وقتية، تعاطفا من قبل الميسورين او الكوادر وغيرها. فعلى سبيل المثال: المكتب الدائم للصندوق، هل تجتمع الصناديق وتحتفظ بملفاتها ووثائقها في منازل الكوادر ام مكتب مستقل؟ اذا كان مكتب مستقل فمن اين تدفع إيجارات هذا المكتب؟ تبرعات؟ لو فرضنا انه لم يوجد من يتبرع بإيجار المكتب وان الكوادر ليست قادرة على ذلك وصاحب العمارة لم يتعاطف مع الصندوق ولم يتنازل عن الإيجار، فأين سيعقد ويعمل المكتب؟ من المؤكد سيضطر للصرف من اموال التبرعات والسبب بسيط جدا: اذا كانت لدي الآلاف أمانة وليس لدي حق التصرف في قرش واحد من هذه الآف لحمايتها والقيام بها والاعتناء بها وتنميتها والتدرب على صرفها في اوجهها وجلب الكوادر التي تستطيع ان تتصرف معها فكيف لي حقا ان اقوم بهذه الأمانة. فما دمت وافقت وبرأت ذمتي للدفع للأجار من أموال التبرعات فاستخدم ذات المنطق للأوجه الأخرى دون حرج!

من الناحية الشرعية فالقرءان الكريم قد ذكر بشكل واضح في الأية 60 من سورة التوبة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

وتفسير العاملين عليها واضح بشكل صريح جدا ولا يحتاج الى أن اذهب لدراسة السطوح والبحث الخارج لأفهمها كما فسرها: الشيح ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الامثل، و الطباطبائي في ميزانه، والشيخ محمد جواد مغنية في التفسير المبين: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: وهم الجباة الذين يجمعون الزكاة ويحفظونها فيأخذون على عملهم الأجر من الزكاة، وإن كانوا أغنياء

وزيادة في الحرص على الفهم فلقد سألت الشيخ محمد صالح الربيعي في ذلك واجاب جوابا شافيا: لا بد من العمل على تنمية أموال الصناديق بدلا من تراكمها والعمل بالبركة. فقلت له وما جوابك لمن يقول ان هناك حرج من التصرف في أموال التبرعات بلحاظ ان المتبرع قد تبرع بنية الفقراء وليس الصندوق. فأجاب: اذا تبرع المتبرع بنية دفع المال للصندوق فلا حرج اطلاقا من دفع الرواتب وغيرها من الامور التي تساعد على تنمية الأموال اما اذا خص الأموال فقط للفقراء فهناك حرج ولكن هناك حل لهذا الحرج وهو توعية الناس على ان يتوجهوا بالتبرع بنية الصندوق وليس للفقراء حصرا لأطلاق يد كوادر الصندوق بالتصرف” انتهى كلام الشيخ الربيعي.

أنا أقول ان كلام الشيخ معقول جدا ولكن لي استفسار وهو وماذا لو لم ينوي المتبرعون بذلك، نغلق الصناديق اونديرها بطريقة البركة؟

أنا اقول مادامت الأموال استلمت فلا يهم نوى المتبرع للصندوق ام للفقراء ام لهضبة التبت، لا تهمنا نيته طالما انه دفع لنا المال طواعية وبوعيه فما دخلي انا فيما يدور في قلبه ونيته، ذلك شأنه وربه لا شأني أنا كمؤسسة.

 

 

 

Advertisements

One thought on “الصناديق الخيرية بين فكر الحصالات وفكر التنمية

  1. مع الاسف نادرا جدا مايستفاد من هذه الاموال وفعلا هي مكدسة في البنوك حيث ينتفع منها مودعها او تنتظر منةيسطو عليها بالقوه شأنها شأن الاوقاف الغير مسجله ويتم السطو عليها او تبقى بدون احياء او منفعه للمسلمين وقد يأتي التاجر وينتفع منها ويرمي الفتات من ارباحه كأجار لها.

    لقد رأينا الكثير من ابناء اصحاب البشوت يعيشون في رغد وترف ودائما نتسائل من اين لهم هذا !!! وابوهم نراه “رجل” دين زاهد ولايريد من الدنيا شيء!!!!

    نحن ننادي ونطالب منذ زمن بتنظيف البيت الشيعي من كل الاسرائيليات الموجودة في تراثنا وطرح كل مناهج هذه المدرسة للنقد والتقويم والتصحيح على شتى المواضيع بكل موضوعية وبدون تعصب مقيت لانه ليس عيب بل من الغباء ان لم نفعل ذلك…

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s