بدعة الأعلمية في الفقه الشيعي

هل مسألة الرجوع للأعلم .. علمية ام تلقينية؟

“التقليد” في المذهب الشيعي هو أن يرجع الشخص البالغ في كل الفرةع منمسائله الدينية ( هذا على صعيد النظرية أما على الصعيد الواقعي فالرجوع يكون لكل المسائل، الدينية منها واللا دينية،) الى ما يسمى الفقيه أو المرجع منذ أن يبلغ مرحلة البلوغ وحتى الممات.

في موضوع التقليد يضع بعض “الفقهاء” بعض الشروط التي يجب ان تحترم وتستوفى ليكون ” تقليد ” المكلف مجزيا ووفقا للضوابط المذهبية. من هذه الشروط شرط الأعلمية. مقتضى هذا الشرط هو أن يحرز المكلف أنه يقلد الفقيه الأعلم من الفقهاء الشيعة. جديرا بالذكر ان هذا الشرط الزامي على المكلف منذ ان يبدأ التقليد في سن البلوغ وهذا مطلب ينبغي الانتباه اليه جيدا في ضوء ما سيأتي لاحقا.

في هذا السياق، أثرت بعض الاسئلة في نفسي محاولة للفهم واستيعاب الأوجه العقلية والمنطقية لهذا الشرط، وهي كما يلي. بعد سرد هذه التساؤلات سأعرض آراء بعض “الفقهاء” في هذا الخصوص لنرى كيف يجيب كل منهم على كل هذه التساؤلات (السيستاني، الحيدري ، الخامنئي، ومحمد باقر الصدر)

  • ما هو تعريف الأعلمية؟ ما هي الضوابط العقلية والمنطقية والمعايير العلمية التي تحدد الأعلم؟
  • ما هي المجالات والمحاور العلمية التي يسري عليها اختبار الأعلمية؟ هل تسري على كل المعارف الدينية ( فقه، أصول، تفسير، عقائد، الخ) والانسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفلسفية والعلوم الطبيعية؟ ام تقتصر فقط على العلوم الدينية؟ هل يوجد نص او استدلال عقلي يحدد اي من هذه العلوم هي محاور اختبار الأعلمية واي منها داخل او خارج من نطاق التقييم؟
  • من يقوم بتحديد الأعلمية؟ وهل يشترط في من يختار الأعلمية، ان كانت لجنة او أفرادا ان يكونوا الاعلم من من هم محل التقييم موضوع الأعلمية أم لا؟ واذا كانت الاجابة بالنفي فهل يعقل ان يحدد من هو اقل علما الشخص الأعلم؟
  • ما هي الحدود الجغرافية للبحث والاستقصاء فيمن يختبر كونه الأعلم؟ هل هي كل الكرة الأرضية؟ هل يجب على المكلف ان يبحث عن كل الفقهاء الشيعة الموجودون في اصقاع الأرض ليحدد من منهم الأعلم؟ من قال وحدد وفرض ان يقتصر البحث عن الأعلمية بين النجف وقم؟ هل يوجد حديث نبوي او من أهل البيت يقصر البحث عن الأعلمية بين هاتين الحوزتين؟ لماذا لا نبحث في حوزات الشيعة في افغانستان وباكستان والبحرين مثلا؟ هل يقتصر البحث عن الأعلمية في المدن والحوزات المشهورة والقوية اعلاميا وماليا وديموغرافيا ام يسع المعمورة؟ سواء أكانت الاجابة بالسلب والايجاب هل يوجد نص يدعم هذا الجواب او استدلال عقلي منطقي علمي يحدد الاجابة؟
  • هل يسري البحث عن الأعلم بين الأحياء والأموات ام الأحياء فقط؟ الا يمكن ان يكون لدينا فقيها عالما متوفى لم يصل اي من الفقهاء الاحياء الى جزء يسير من علمه، هل يمكن ان يسمى هذا الفقيه بالأعلم؟
  • وكيف يحرز المكلف المبتدئ بعمر ال15 او 14 سنة مفهوم الأعلمية ام عليه أن يطبق ما يملى عليه او يسمعه من بيئته لانعدام خبرته في هذا المجال؟
  • واذا تم بعون الله وتوفيقه تحديد واحراز الاجابة على كل هذا التساؤلات يبقى سؤال آخر: هل عملية تحديد الأعلمية متوقفة ام ديناميكية. بمعنى، هل لو أحرز المكلف شرط الأعلمية وسمى الفقيه ( أ) الأعلم وهو في بداية مرحلة التكليف، هل يعتبر تقليد هذا الفقيه مجزيا بعد 20 سنة او 10 سنوات او 5 سنوات؟ غرض هذا التساؤل هو أن العلم والعلماء في حركة مستمرة والأعلم في الفقه هذا العام يجوز ان يسبقه علما فقيها آخر بعد 5 سنوات او قد يتوفى ونضطر للرجوع للسؤال رقم 5 أعلاه؟ فهل هي ثابته او متحركة. اذا كانت ديناميكية اي بمعنى ان المكلف عليه ان يكون في رحلة بحث دائم عن من هو الاعلم في كل فترة، فما هي الفترة الزمنية التي على المكلف ان يثبت فيها على تقليد فقيه معين ثم يشرع في البحث عن من هو الأعلم مجددا ( يعني كل كم سنة يبدأ يشتغل في البحث عن الأعلم)؟ وهل هناك من الفقهاء من يشترط الديناميكية اي استمرارية البحث؟ نعم. السيد محمد باقر الصدر. ؟ وهل حدد آلية هذه الديناميكية؟ سيتضح لاحقا في كلامه كما سيأتي.

وقبل التطرق لنتائج البحث من المهم جدا التوقف قليلا حول الاسئلة أعلاه. من حق كل شخص شيعي مكلف بالتقليد يشترط عليه الفقيه الذي يقلده شرط الأعلمية ان يثير هذه الأسئلة ويجب لزاما على هذه الفقيه ان يجيب على الأسئلة بالتحديد بدون ضبابية واستنقاص من عقل الفرد الشيعي انه قاصر لا يستوعب هذه ” التعقيدات” أو أنها مسألة ترجع للمختصين. لا يوجد اي شيء في هذه المسألة يمكن ان يدخل في خانة الحجة الفضفاضة ” اهل الاختصاص”. هذه مسألة معرفية منطقية بديهية: أنت تقول أنني يجب أن أقلد الأعلم علمني بشروط الاعلم بكل وضوح. تقول يجب ان ارجع الى اهل الخبرة علمني ما هي شروط اهل الخبرة. حدد بكل وضوح.

النتائج:

البحث في آراء الفقهاء المذكورين أعلاه انتج الآتي:

  • لم يقم أي شيخ شيعي في اي كتاب بالاجابة على الاسئلة أعلاه. المعيار الوحيد لتحديد الأعلمية هو ” سؤال أهل الخبرة. وعندما سئل احدهم عن أهل الخبره أعطى اجابة فضفاضة غير واضحة عقلا ولا منطقيا ولا عمليا. بمعنى أنه لتحقيق الشرط الفضفاض للأعلمية يجب ان تتبع آليه فضفاضة أخرى وهي أهل الخبرة. أدلى البعض من الفقهاء برأي ان أهل الخبرة هم الفقهاء والمراجع وسؤالي لهذا المرجع القائل بهذا القول: وهل يمكن ان يقول هذا الشخص من اهل الخبرة اذا كان مرجعا ان فلانا أعلم منه ؟ وكم عدد أهل الخبرة. هل لو سأل شخص او شخصين كان مجزيا مبرئا للذمة؟ لا توجد اجابة عن اي من هذه الاسئلة!
  • يورد الشيخ أحمد علي الشاهرودي ( وهو مرجع اذ يحمل لقب آية الله!) في كتابه “تقليد الأعلم” (سنة 1417 هجرية مؤسسة الصراط والفكر الديني للدراسات والابحاث الفقهية قم-ايران)، شرطا غريبا لم أجد مثيل له في كتب بعض الفقهاء الذين راجعت ابحاثهم في هذا الخصوص، فهو يضيف معيار ” الأسرعية” في استنباط الفتوى كأحد مصاديق الأعلمية، والأكثرية الاستنباطية ( يعني انه كلما زادت فتاواه دلت على أعلميته) وان يكون الأعلم هو الأكثر يقينا من مرحلة الاستنباط ( أنظر صفحة رقم 31 من الكتاب). الأمر المحير حقيقة هو كيف حتى لزوجة وأبناء الفقيه ان يقفوا على مستوى يقين الفقيه فضلا عن أهل الخبرة وأقرانه!!!
  • لم يعط اي من الفقهاء المذكورين أي قاعدة منطقية او نص قرآني او حديثي او قاعدة عقلية يتقبلها العقل تثبت ما ذهبوا اليه من مواقف بهذا الخصوص.
  • لا يراد للمكلف الشيعي ان يعمل عقله في بحث الأعلمية. المكلف مهما كان عمره وتعليمه وثقافته يبقى ويعامل دائما وأبدا على أنه تابع جاهل لا يُكترث حتى بإقناعه بالمعايير والدلائل. فعليه دائما ان يلتزم بالتقليد وبالرجوع للأعلم ولتحديد الأعلم عليه ان يرجع اليهم ( المعممين والفقهاء) ليحدووا له الأعلم واذا سألهم عن معاييرهم ارجعوه مجددا لهم او لقاعدتهم المشهورة الفضفاضة الأخرى : الأعلمية مسألة عقلائية يفتي فيها العقلاء والمتشرعة. واذا سألت من هم هؤلاء العقلاء ارجعوك اليهم مجددا. كل شي يمر بهم ولهم ومنهم واليهم وما على المكلف الا التنفيذ ولا يهم اذا ما اقتنع ام لا. سيجد القارئ المنصف دليل هذا الكلام من طبيعة ردود الفقهاء المذكورين على تساؤلات المكلفين بخصوص الأعلمية. لا يتم اعطاء اي دليل او اقناع.
  • بخصوص مقولة ” مسألة عقلائية” يقول السيد كمال الحيدري: مقولة “مسألة عقلائية” هي حيلة العاجز، نحن في الحوزات كلما افتقرنا للعقل والمنطق في اجابة اي سؤال، احلناها الى قول انها مسألة عقلائية لننهي القصة”.
  • حتى السيد محمد باقر الصدر وهو مؤلف كتاب عن المنطق والاستقراء لم يسرد اي قاعدة منطقية لتحديد الاعلم ولم تحوي اجاباته في هذا الخصوص على اجابة للتساؤلات المشروعة في صدر المقال، خصوصا وهو القائل بديناميكية الفحص عن الأعلم.
  • يضع السيد كمال الحيدري شرطا فضفاضا آخر للأعلمية: وهو يكون الفقيه الأعلم في كيفية إدارة الامور الحياتية والأقدر على إدارة مؤسسته المرجعية ( هو لم يسمها مؤسسة بل أنا استنتجتها من مدلولات جوابه في هذا الأمر)!! لكنه لم يقدم اي تصور لما يعنيه بالأمور الحياتية! هل يجب على المكلف ان يعرف فيما اذا كان الفقيه الاعلم والأقدر بين نظرائه في تنظيم وقته، وميزانية منزله مثلا وعلاقاته الاجتماعية ؟ حسب فهمي ، وانا المكلف بالتقليد والفحص عن من هو الأعلم ، افهم من الأمور الحياتية هذه الأمور!
  • يضع السيد السيستاني تراتبا بين الأعلمية بمعنى انه يفرض على المكلف بالرجوع ، اذا ما دعت الحاجة للتبعيض، الى الاعلم فالأعلم. السيد السيستاني أضاف عبئا آخر وهو عليك أيها الفرد الشيعي ان لا تكتفي بتحديد الفقيه الأعلم وتقلده وتستمر في حياتك الطبيعية بل يجب عليك ان تراتب بين الفقهاء وتعمل قائمة تنازلية تبدأ فيها من الأعلم فالأقل والأقل علما وتحتفظ بهذه القائمة معك فربما احتجت ان تبعض فتكون لديك قائمة جاهزة. والسؤال المهم هو هل قدم السيد السيستاني شرحا متواضعا لكيفية التراتب والفصل بين الأعلم فالأعلم؟ طبعا لا. ما يزيد من ثقل المسؤولية الجمة بخصوص هذه القائمة التراتبية في الاعلم والأعلم هو لو كنت من مقلدي السيد محمد باقر الصدر فالسيد، بمقتضى قوله بديناميكية الفحص، عليك ان تحدث هذه القائمة باستمرار. ! لكن كل من السيد الصدر والسيستاني لم يقدما لنا تصورا عن العدد المبرئ للذمة في الذهاب من الاعلم والاعلم ( اصنف بين 5 او 10 فقهاء)!

أترك القارئ مع مقولات واجابات الفقهاء وقبل ان تبحر في اجوبتهم الفذة تذكر الأسئلة التي طرحتها في صدر المقال ودلني على إجابة لأني منهم في ردود “الفقهاء” أدناه

السيد علي السيستاني

http://www.sistani.org/arabic/book/17/952/

من هو المجتهد الأعلم؟

المجتهد الأعلم: هو الأقدر على استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها.

لمن نرجع في تحديد المجتهد الأعلم؟

يجب الرجوع في تعيين المجتهد الأعلم الى أهل الخبرة والإختصاص، ولا يجوز الرجوع في تعيينه الى من لا خبرة له بذلك.

ما الحكم إذا لم تكن للمجتهد الأعلم فتوى في مسألة ما؟

إذا لم يكن للمجتهد الأعلم فتوى في مسألة ما احتاج اليها المكلف، أو لم يمكن للمقلد تحصيلها عند احتياجه إليها، جاز له الرجوع إلى غيره، مع رعاية الأعلم فالأعلم.

سؤال : يقول لنا الفقهاء يجب عليكم تقليد المجتهد الأعلم، وحين نسأل رجال الدين قربنا من هو المجتهد الأعلم؟ لا نحصل على جواب واضح قاطع لنقلد ونستريح، وحين نسألهم عن السبب يقولون لنا: نحن لسنا من أهل الخبرة ويضيفون: غير أنا سألنا عدداً من أهل الخبرة فقالوا لنا: إن تحديد المجتهد الأعلم يحتاج الى دراسة كتب الفقهاء المجتهدين حتى نستطيع تحديد المجتهد الأعلم من بينهم، وهذه عملية طويلة ومعقدة وصعبة، فسلوا غيرنا.
فإذا كانت مشكلة تحديد المجتهد الأعلم معقدة في مراكز الدراسة الدينية، فكيف تكون المشكلة في الدول البعيدة عنها، كما في الدول الغربية وأمريكا، وإذا كنا بعد مكابدة نقنع الشاب والشابة بالإلتزام الشرعي بالواجبات والابتعاد عن المحرمات في بلدان كهذه حتى نوصلهم الى هذا السؤال، عمّن يقلدون، فيسألون، فإذا بهم لا يجدون جوابا. فهل من حلّ لهذه المشكلة؟

جواب : إذا كان بعض أهل الخبرة بالأعلمية يمتنع عن تعيين الأعلم ـ لسبب أو لآخر ـ فإن فيهم من لا يمتنع عن ذلك، ويمكن التعرف على هؤلاء عن طريق رجال الدين وغيرهم من الموثوق بهم وبدرايتهم ممن له صلة بالحوزات العلمية وبالعلماء المنتشرين في سائر البلدان، فتشخيص المجتهد الأعلم وإن لم يخل عن بعض الصعوبات، ولكن لا ينبغي أن يعدّ مشكلة معقدة.

سؤال : كيف نعرف من هم أهل الخبرة لنسألهم عن المجتهد الأعلم؟ وكيف نصل اليهم لنسألهم ونحن بعيدون عن الحوزات العلمية، وعن الشرق كله؟ فهل من حلّ يسهل علينا الأمر فنعرف بواسطته من نقلد؟
جواب : أهل الخبرة بالأعلمية هم المجتهدون ومن يدانيهم في العلم، المطّلعون على مستويات من هم في أطراف شبهة الأعلمية في أهم ما يلاحظ فيها، وهي أمور ثلاثة:
* الأول: العلم بطرق إثبات صدور الرواية، والدخيل فيه: علم الرجال وعلم الحديث بما له من الشؤون كمعرفة الكتب، ومعرفة الرواية المدسوسة بالاطلاع على دواعي الوضع، ومعرفة النسخ المختلفة، تمييز الأصح عن غيره، والخلط الواقع أحياناً بين متن الحديث وكلام المصنفين ونحو ذلك.
* الثاني: فهم المراد من النص بتشخيص القوانين العامة للمحاورة، وخصوص طريقة الأئمة عليهم السلام في بيان الأحكام، ولعلم الأصول والعلوم الأدبية والإطلاع على أقوال من عاصرهم من فقهاء العامة دخالة ثابتة في ذلك.
* الثالث: إستقامة النظر في مرحلة تفريع الفروع على الأصول، وطريق الإطلاع بعد البحث والمذاكرة معهم أو الرجوع الى مؤلفاتهم أو تقريرات محاضراتهم الفقهية والأصولية.
والمكلف الباحث عن الأعلم إذا لم يمكنه التعرف على أهل الخبرة بنفسه، فيمكنه ـ بحسب الغالب ـ أن يتعرف عليهم عن طريق من يعرفه من رجال الدين وغيرهم من الموثوق بهم وبدرايتهم كما تقدم، والبعد المكاني لا يشكل عائقاً عن الاتصال بهم في هذا العصر الذي تتوفر فيه الكثير من وسائل الإتصال السهلة والسريعة.

سؤال : تركن النفس أحياناً لمجتهد ما، فهل يكفي هذا في تقليده فيما لو اختلف أهل الخبرة في تشخيص المجتهد الأعلم؟
جواب : إذا اختلف أهل الخبرة في تحديد الأعلم يلزم الأخذ بقول من هو الأكثر خبرة وكفاية منهم، كما هو الحكم في سائر موارد وقوع الاختلاف بين آراء أهل الخبرة.

هل يمكن تقليد المجتهد المتصدي حتى يتضح المجتهد الأعلم؟

سؤال : إذا اختلف أهل الخبرة في تشخيص المجتهد الأعلم، أو قالوا بإجزاء تقليد عدد منهم، فهل يحق للمكلف أن يقلد مجتهداً في فتوى ما، ويقلد مجتهداً آخر في فتوى أخرى حتى يتضح له المجتهد الأعلم فيقلده؟
جواب : لهذا السؤال فروض ثلاثة:
* الفرض الأول: أن يعلن بعض أهل الخبرة بإجزاء تقليد واحد أو جماعة، وهذا لا يترتب عليه أي أثر شرعي.
* الفرض الثاني: أن يعلنوا بتساوي رجلين أو أكثر في العلم والورع (بمعنى التثبت في استنباط الأحكام)، فالمكلف مخيّر حينئذ في تطبيق عمله على فتوى أي واحد منهم أو منهما في جميع المسائل، إلا أن الأحوط وجوباً في بعض المسائل هو الجمع بين فتاواهم مع الإمكان وذلك في مثل مسائل القصر والتمام.
* الفرض الثالث: أن يعلن بعض أهل الخبرة بأعلمية أحد، ويعلن بعض آخر بأعلمية آخر، ولهذا حالتان:
o الحالة الأولى: أن يعلم المكلف بأن أحدهما أعلم، ولكنه لا يعرفه بالتحديد، وهذه حالة نادرة ولحكمه تفصيل في كتاب (منهاج الصالحين، مسألة 9).
o الحالة الثانية: أن لا يعلم المكلف بأعلمية أحدهما، ومعنى ذلك أنه يحتمل تساويهما في العلم والورع، وفي ذلك يأتي حكم الفرض الثاني الذي مرّ ذكره.

هل يجب البحث عن رأي المجتهد الاُعلم حتى مع الجهد والمشقة؟

سؤال : لو استجدت مسألة ما للمكلف لم يعرف فيها رأي مقلده، فهل يجب عليه التقصي والبحث عن رأي مقلده وسؤال الوكلاء عنه، بما في ذلك الإتصال التلفوني الغالي؟ أو يكفيه العمل برأي أي مجتهد آخر يمكنه معرفة رأيه بسهولة، والعمل بمقتضاه حتى إذا اطّلع على رأي مقلده عمل به؟ وما حكم الأعمال السابقة إذا خالفت رأي مجتهده؟
جواب : يلزمه استعلام فتوى مقلده الأعلم ولو عن طريق الإتصال التلفوني، ما لم يكن ذلك مضرّاً بحاله، ولو لم يمكنه الاستعلام، جاز له أن يرجع بشأن مسألته الى غير مُقلّده من المجتهدين مع رعاية الأعلم فالأعلم من بعده. ويجتزئ بالعمل الذي يأتي به وفق فتوى المجتهد الثاني، وإن تبين له مخالفته لرأي مقلّده الأعلم.

السيد كمال الحيدري

المسألة :

من حقيّ كمكلّف أن أعرف مواصفات المرجع الذي أريد تقليده، ووجدت فيكم أفق الاستجابة لمطالبي وإيضاح الغوامض التي أمرّ بها، فهل يشترط الاعلمية في مرجع التقليد، وما هو المراد بها عندكم؟

الــجواب :

يجب على المكلّف أن يقلّد الأعلم، والأقدر، والأكفأ، وهي مفاهيم يكفي مجرد تصوّرها بشكل سليم في التصديق بضرورة اشتراطها في المرجع المراد تقليده. ونعني بالأعلم: الأمكن على الاستنباط في جميع المعارف الدينية، لا خصوص مسائل الحلال والحرام؛ فإن المستظهر من الآية الكريمة: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122)؛ هو ضرورة أن يكون المتفقه قادراً على الاستنباط في جميع المعارف الدينية، العقائدية منها والعملية، الأصول منها والفروع، لا خصوص الأحكام العملية المصطلح عليها في الحوزات العلمية بـ (الفقه)، وهذا هو المجتهد المطلق الذي يجوز تقليده.

ونعني بالأقدر: من يكون له القدرة على إدارة شؤون مقلديه وإجابة أسئلتهم واستيضاحاتهم، ومتابعة شؤونهم وأحوالهم في جميع الشروط والظروف؛ فإن ذلك هو الذي يحقّق مصداق المأثور عن الأئمة الأطهار عليهم السلام:(علماء أمتي مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته يمنعونهم من الدخول إلى ضعفاء شيعتنا)؛ فإن المرابطة لن تتحقّق دون أن يكون لمرجع التقليد (قدرة علمية) و (حضور عملي) يستطيع من خلالهما الحفاظ على ثغور المذهب والعقيدة والدين، وهذا لن يحصل إلا بعد توفر عنصر الشمولية في منظومة المعارف الدينية في شخصه، وهذا ما أشرنا إليه في الشرط السابق.

ونعني بالأكفأ: من يكون له شجاعة وشهامة تمكّنه من اتخاذ المواقف الحازمة في المواطن التي تستدعي ذلك، دون تردّد. وفي هذا الضوء: إذا حصل للمكلف اطمئنان بتوفر الشروط التي ذكرناها في مرجع التقليد وجب تقليده أو العدول إليه.

من هم أهل الخبرة؟

المسألة :26913

من هم أهل الخبرة الذين يحدّدون الأعلم حسب مبانيكم؟

الــجواب :

أهل الخبرة بالمفهوم الذي نختاره في تفسير الأعلمية هم: العلماء والفضلاء الذين يمتلكون دراية شمولية ونظرة تصديقية لعموم المعارف الدينية؛ أما من تقتصر نظرتهم ومعرفتهم على جانب واحد من المعارف فلا يحقّ لهم إبداء رأي في هذا المجال؛ وفي هذا الضوء يتضح ما يلي: ليس من صلاحية أهل الخبرة بالمفهوم المتعارف للأعلمية ـ والتي تعني الأعلمية في الفقه أو الأصول أو كليهما كما هو مُحرّر في محله ـ أن يشيروا إلى أعلمية الشخص بالمفهوم الذي نختاره في تفسير الأعلمية ونشترطه في مرجع التقليد ـ والذي يعني الأعلمية في جميع المعارف الدينية، لا خصوص مسائل الحلال والحرام ـ؛ فهم ليسوا بأهل خبرة ودراية بهذا المعنى الواسع والشمولي للأعلمية، فيكونوا بالاصطلاح المنطقي أخصّ مطلقاً إن لم نقل بتباينهم.

السيد علي خامنئي

س16: هل يشترط في التقليد أعلمية المرجع أم لا؟ وماهي ملاكات وموجبات الأعلمية؟
ج: الأحوط تقليد الأعلم في المسائل التي تختلف فتاوى الأعلم فيها مع فتاوى غيره. وملاك الأعلمية أن يكون أقدر من بقية المجتهدين على معرفة حكم الله تعالى، واستنباط التكاليف الإلهية من أدلتها، ومعرفته بأوضاع زمانه ـــ بالمقدار الذي له مدخلية في تشخيص موضوعات الأحكام الشرعية، وفي إبداء الرأي الفقهي المقتضي لتبيين التكاليف الشرعية ـــ لها دخل في الإجتهاد أيضاً.

س27: سألت عدة علماء مجتهدين عن الأعلم، فأجابوني أن الرجوع الى فلان (أعلى الله تعالى شأنه) مبرئ للذمة. فهل يجوز لي الإعتماد على قولهم مع جهلي بأعلميته أو احتمالي لها أو اطمئناني بعدم كونه الأعلم لوجود آخرين لهم بيّنة مشابهة مثلاً ونظير ذلك؟
ج: إذا قامت البيّنة الشرعية على أعلمية مجتهد جامع لشرائط الإفتاء فما لم يعلم بوجود معارض لها تكون حجة شرعية يعوّل عليها، وليس من شرطها حصول العلم أو الإطمئنان، ولا حاجة عندئذ الى الفحص عن الشهادات المعارضة.

السيد محمد باقر الصدر

يقول محمد باقر الصدر في كتابه الفتاوي الواضحة مسألة رقم: 5) إذا تعدد المجتهدون الذين تتوفر فيهم الشروط السابقة، وكانوا متفقين في آرائهم وفتاويهم، فبامكان المقلد ان يرجع إلى اي واحد منهم ولكن هذا مجرد افتراض نظري وليس واقعا في الحياة العملية عادة لان الاجتهاد مثار للاختلاف بين المجتهدين غالبا.

فإذا اختلفوا وعلم المقلد بأنهم مختلفون في آرائهم فلمن يرجع؟ومن يقلد؟

الجواب: انه يرجع إلى الأعلم في الشريعة، والأعرف والأقدر على تطبيق أحكامها في مواردها، مع فهم للحياة وشؤونها بالقدر الذي تتطلبه معرفة أحكامها من تلك الأدلة.

وبعبارة موجزة يجب على المقلد ان يقلد الأعلم من المجتهدين في هذه الحالة

والجواب: انه يعرف بطرق منها أولا: بشهادة عدلين من المجتهدين الأكفاء أو الأفاضل القادرين على التقييم العلمي وسيأتي معنى العادل في الفقرة (32) من هذا الباب.

ثانيا: الخبرة والممارسة الشخصية من المقلد إذا كان له من الفضل والعلم ما يتيح له ذلك وان لم يكن مجتهدا.

وأخيرا بكل سبب يؤدي إلى يقين المقلد وايمانه بان فلانا اعلم – مهما كان السبب – فان ذلك يحتم عليه ان يقلده دون سواه، ومن ذلك الشياع بين أهل العلم والفضل، أو الشياع في صفوف الأمة إذا أدى إلى يقين المقلد بان من شاع انه اعلم هو الأعلم حقا.

ويجب على المقلد الفحص والبحث عن الأعلم في كل مظنة وسبيل ممكن وأيضا يجب على المكلف ان يحتاط في أعماله مدة البحث والفحص.

الخلاصة:

مسألة الرجوع للأعلم طلب تهويمي تمويهي تسطيحي لا يقوم على علم ومنطق وحس سليم وانا لا أؤمن به ولا التزم بمقتضاه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s