الرواية دوائنا

يحدث ان تصادف عدداً غير قليل من الناس ممن يحبون قراءة  الكتب والمطالعة في مواقع ما يسمى “بالتواصل الاجتماعي”. من هؤلاء القارئين والمطالعين من له قائمة بأفضل الكتاب والصحفيين والمغردين و”الانستغراميين” وغيرهم. يندر ان ترى نزرا قليلا منهم يجيبك لو سألته: ومن هو الروائي المفضل والاقرب لديك. فمنهم من سيجيب بالنفي والاستهزاء معقبا بتعليق من قبيل: “ليس لدي وقت للروايات” أو “لا احب الروايات”، أو “لا احب الخيال”، “أحب كتب الواقعية”، الخ.

أصحاب هذه الردود غير ملومين في ذلك. فلكل ميوله وتجاربه..

فتجاربنا تغير فينا ميولنا..في كل مرحلة من مراحل نمونا وتكاملنا نميل ونشغف بشئ ونعزف عن أشياء..

ربما لم يروا بعد  الرواية التي تناسب ميولهم فتشكلت لهم صورة سلبية عن الروايات.. ربما لم يكتشفوا روح الأدب في داخلهم بعد..

شغفتُ حباً بالروايات بعد التخرج من الجامعة ولم أعر الروايات والادب اهتماما كما ينبغي في أيام الجامعة.  كان جل اهتمامي مقتصرا على الحصول على اعلى الدرجات فكنت اقضي جل وقتي اما في المكتبة لمراجعة دروسي وحل المسائل او مجالسة بعض الزملاء ومشاركاتهم في ثرثراتهم التي لم تغن عملا ولا علما.

خطأ كبير جدا نادم  عليه للآن. ربما لو كنت قرأت الروايات التي قرأتها الآن والتي اعتزم قراءتها في الأشهر القادمة لتغير مسار حياتي ولتغيرت شخصيتي ولما وقعت في ذات الأخطاء ولما تحصلت على علاقات معطوبة واحلام ساذجة.

بعد فترة قصيرة من الالتحاق بسوق العمل أوليت الروايات اهتمامي وبدأت بروايات خولة قزويني. أرى  ان الأوقات التي قضيتها في قراءة رواياتها كانت مضيعة للوقت ومُسلبة للروح والطاقة والمزاج. عرجت على رواية البؤساء لفيكتور هيجو ولقيت ضالتي. رواية اقل ما توصف به انها رواية تُحِييك..

نعم هناك كتب تميتك, تهشمك.. تهينك وتحتقر خيالك ومزاجك وذكاءك.. روايات خولة قزويني من النوع الأخير.

قرأت روايات تولتسوي وهيجو وديستوفيكسي وتشارلز دكنز وخالد حسيني فوجدتها روايات تحييني.. تجعل مني انسان افضل.. الا اذا كنت ساكن الفكر والروح ستجد نفسك بعد قراءة هذه الرويات هي ذاتها بعد قراءتها.

عندما كنت أعيش رواية ” الف شمس مشرقة” للكاتب المبدع خالد حسيني (نعم لقد عشتها ولم اقرأها فقط)، وجدت نفسي في ازقة أفغانستان، اتلمس وعورة جبالها.. شعرت بزمهرير طقسها.. وضاق صدري حزنا على “مريم” ( بطلة الرواية) وعلى حال النساء الأفغانيات..

فهمت من الرواية معنى الهوية.. وفهمت من خالد حسيني معنى من معان العزة.. بالرغم ان هاتين المفردتين لم تذكران قط في الرواية..كرهت من الرواية التمييز العنصري وطبقية السراق والظلمة..احببت من الرواية الصبر والعنفوان والقوة..

مرت السنين وفقدت شهيتي للروايات مجددا.. طغت العقلانية والواقعية على تفكيري واستحوذت كياني..أصبحتُ لا احب الخيالات والفرضيات واي علوم غير تجريبية لا تمت للواقع باي صلة او لا يمكن ان تكون لها علاقة بمفردات الحياة اليومية، كل شيء يجب ان يكون مفيد لمشكلة ما سبق تعيينها والتفكير فيها والا اصبح كتابا غير مفيدا اما أمتنع عن شراءه او الزج به في رف بعيد  في مكتبة منزلي او تجاهله في مكتبتي الالكترونية.

في احدى رحلاتي الى الدول المجاورة كنت اتناول الغداء مع زميلين احداهما من الهند والآخر من باكستان، جرى الحديث عن المناطق الجغرافية في باكستان ووعورتها واختلاف الطقس فيها فذكر كلمة ” باشتون”… وسألني عنما اذا كنت اعرف هذه المنطقة قلت نعم قرأت عنها في رواية الطبيب والروائي المبدع البارع خالد حسيني ” الطائرة الورقية”.. منذ تلك اللحظة عاد الحنين الى الروايات مجددا وسيظل لفترة طويلة حسبما اظن..

عدت من رحلتي وتناولت رواية المبدع المخلص لقضيته خالد حسيني ” وردت الجبال الصدى” التي اشتريتها من احد المجمعات في مصر لكني لم اقرأها للأسباب أعلاه.. شرعت بقراءتها وندمت مجددا على اهمالي للروايات كما اهملتها في سنين الجامعة..

عدد قليل من الروايات والروائيين الذين يخلقون فيك هذه الحالة.. الروائي مثل الصحفي والمغني.. تنجذب للمغني الذي يطربك.. والصحفي الذي يتناسب طرحه مع منظومتك..كذلك الروائي.. الروائي شخص يبرز رسالته في قالب افتراضي خيالي.. هناك رسالة ما في كل رواية.. في كل رواية هناك منظومة قيم ومبادئ وأحلام وخيبات امل وظلم وبطش وطرق تفكير وعيش وأسلوب حياة…. الروائي الذي تنسجم رسالته او رسائله مع منظومتك اقرأه.. لا تقرأ الروايات من اجل القراءة فقط

الرواية دواء لواقع مرير..

الرواية جرعة من امل تساعدك على فهم هذا الواقع وتصنيف أناسه

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s