البجعة السوداء وعقائد الناس

قبل اكتشاف قارة استراليا، كان العالم بأكمله لا يعرف لونا للبجع الا اللون الأبيض. ذهل النازلون الأوائل لأرض استراليا بما شاهدوا. لأول مرة في حياتهم يشاهدون بجعة سوداء. كل ما رأوه وسمعوه ووعوه وأخبروا به من بيئتهم ان البجع ابيض اللون.

منذ تلك الفترة، استخدم لفظ ” البجعة السوداء” لكل حدث او فكرة او معلومة ما تكون مخالفة تماما للتصور السائد عند الناس وتشكل انقلابا او منعطفا على تصورهم لهذا الحدث او الفكرة او المعلومة او ما يترتب عنهم جميعا بشكل مباشر او غير مباشر. تبعات فكرة ” البجعة السوداء” كبيرة ومذهلة وتمتد لكل الحقول المعرفية. كتب ودراسات كتب حول الكلمة بذاتها او بفكرتها وتختزل بعض هذه الدراسات فكرة و تعريف البجعة السوداء انه أي حدث او فكرة يطلق عليها بجعة  سوداء اذا تحققت الشروط التالية: أولا: الندرة او الفرادة، ثانيا: الأثر الكبير المترتب على حدوث الشي الغير متوقع، ثالثا القدرة على دراسة الظاهرة الجديدة وتفسيرها في ضوء ما يعرف في ارض الواقع.

يولد الشخص منا ابنا لبيئته.. يتلقى من بيئته اعتقاداته..وعندما نكبر ننقسم لثلاثة اقسام: قسم يشحذ فكره بمصادر معرفة خارج بيئته فإما يعزز أفكاره واعتقاداته، يحسنها او يستبدلها، وقسم آخر يقرأ لكنه يقرأ ليقتنع اكثر من ما شب عليه فشيب عليه والقسم الأخير يواصل في مراكمة التلقي من البيئة ذاتها فيتجانس مع التكرار والألفة ويستأنس بها.

القسم الثاني والثالث من الأقسام المذكورة أعلاه عندما يتعرض لحادثة تصنف انها بجعة سوداء في نظره ( وفقا لتعريفي اعلاه) يضطرب سلامه الداخلي ويفقد توازنه، يصبح صدره ضيقا كأنما يصعد ويشعر انه احيط به وكأن مؤامرة ما تحاك به لزلزلة وجوده وعقائده والتهويش على ايمانه. وقتئذ لا تجدي أي محاولة في المدى القريب من إقناعه ان ما أصيب به من شعور عاطفي هو حالة طبيعية لأنه كان يظن البجع في الدنيا كله ابيض وفجأة تراءت له بجعة سوداء فمن الطبيعي ان يرتبك وربما فتك بمن جعله يتعرض لهذا المشهد.

ساستخدم كتاب اقتصادنا للأستاذ محمد باقر الصدر كمثال لان تعريف البجعة السوداء ينطبق عليه في حالتين. لم يتطرق معممي الشيعة من قبل لموضوع الاقتصاد وينظروا فيه مثلما فعل الصدر ولم يتصدوا لنظريات فلسفية اقتصادية مثلما فعل الصدر ( أي قبل الصدر كان البجع كله لون ابيض) فلما الف الصدر كتابه كان نادرا وذي أثر قوي ويستطيع ان يفسر لماذا الإسلام افضل من الماركسية ( أي ان كتاب الصدر بجعة سوداء). اصبح الكتاب بجعة سوداء تفاعلت معها الجماهير والمعممين بحماسة كبيرة وساقوا حوله الاساطير من انه يدرس في جامعات اليابان والغرب ( وهذا تحدي مفتوح لأي مخلوق أن يأتي بمنهج دراسي جامعي او مدرسي ياباني او غربي يوجد كتاب الصدر مصدرا فيه). وهذه طريقة نمطية لتعاطي الجماهير مع احداث البجعة السوداء الإيجابية بالنسبة لها. حتى هذه اللحظة تظن الجماهير والعمائم ان كتاب اقتصادنا نادرة الزمان ولا يلامون في ذلك لانهم لا يفقهون ما فيه. لو اخذنا القسم الثاني منه الذي يتحدث فيه عن نظريته الاقتصادية لوجدنا انه كلام اقل من العادي ولا يعتد به أساسا في الواقع العملي وينم عن ان الأستاذ الصدر سرد ما يحلم به فقط فضلا عن كونه تنظير علمي يعتد به اقتصاديا. وعليه، اذا قلت انا ان كتاب اقتصادنا كتاب عادي يصبح كلامي بجعة سوداء سلبية لأنها منفردة في اوساطهم، كبيرة الأثر لانها إساءة لشخص قدسي لهم، ونظرا لاني جلبت بجعة سوداء لمسرح حياتهم يكون لزاما عليهم الدفاع والهجوم بكل الوسائل.

ولو أخذنا مثال الخمس، كنا نظن ان الخمس امر متفق عليه من كل فقيه شيعي على وجه الأرض من الأوليين والآخرين، هذا ما لقنتنا به المنابر في المساجد والمآتم في سنين العمر التي اضعناها ونحن جالسين نستمع لتهويماتهم ( بجعة بيضاء) الا ان وجدت ان معممين كثر لا يرون وجوب الخمس وانه لا يدفع في زمن غيبة الامام محمد بن الحسن (ع)( بجعة سوداء). (الشيخ المفيد اذ يقول في “المقنعة”: “اختلف اصحابنا في الخمس عند الغيبة فمنهم من اسقطه لغيبة الامام محتجا بأحاديث الترخص فيه ومنهم من أوجب كنزه … لحين خروج الامام”) و (الطوسي في كتاب النهاية صفحة 200 : “فأما في حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها….”، ( والمحقق الأردبيلي في كتاب مجمع الفائدة والبرهان صفحة 993: “اعلم ان عموم الاخبار تدل على السقوط بالكلية في الغيبة والحضور….”، (الشيخ يوسف البحراني في كتاب الحدائق الجزء 12ص 447 ينقل حديث عن الامام المهدي:” اما الخمس فقد أبيح لشيعتنا الى أن يظهر أمرنا لتطييب ولادتهم”).

اول ما دونت مقال الخمس وذكرت الأمثلة أعلاه من المصادر المذكورة اصبح الحدث بجعة سوداء، معلومات عكس المتوقع، وهي عكس المتوقع لانها مضادة لما تمت الإحاطة به بفضل البيئة، وصادمة، وكبيرة الأثر النفسي والمادي لأني لن ادفع الخمس ولأني سأتهم المعميين بالتضليل والكذب وعدم إعطاء الناس المعلومات الكافية، الخ.

السيد فضل الله اتى بالكثير من البجع الأسود والقى به على مسرح الحياة، فحورب وسُقط، لأنه صدم أفكار الناس التي لا تعلم في دنياها الا البجع الأبيض. ولا تعتقد ان ردة فعل  النخب من معممين او كتاب او مدرسيين او أطباء او ادباء تختلف عن بعضها.. في صدمة البجع كلهم سواء في تعاطيهم مع البجع الأسود ومن أتى به الى المسرح ومن احتفى به ومن اعجب به ومن تعاطى معه.. كلهم سواء في شراستهم.

ولو سألتهم لم هذه الشراسة؟ ليس ذنبي انك كنت تعتقد ان كل البجع ابيض. ليس ذنبي انك لم تتوقع الا متوقع ولم تتنبأ بقدوم هذا البجع. لمَ تصب علي جام غضبك انك لم تكن تتوقع حياة بجعة سوداء ولما اتيت انا بها لمتني ووبختني وكأنني انا من نفخت فيها من روحي.. ما انا الا بحاث عن ضالة .. وعندما ابحث افتح افاقي لكل من في البركة حتى لا يعمى عني اسود البجع وابيضه.

لذلك، حتى لا تواجه حدث يعتبر بجعة سوداء في حياتك اجعل روحك وقلبك وعقلك مفتوح و موارب لكل التوقعات، توقع كل شيء، ولا تقدس اي شيء واي شخص ( الا الله والقرءان وأربعة عشر معصوما)، لانه كلما وضعت هالة حول أي شيء واي شخص كلما زادت الضبابية وخفت قدرتك على التنبؤ وزادت احتمالية الصدمة. الأشخاص الأقل صدمات هم الأشخاص الأقل تقديس..لذلك هم الأكثر سلاما ومحبة والاقل سبابا وجفافا ونفاقا.

نراكم في بجعة سوداء قادمة..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s