قصة “مهم” نحو العلمية

أبوه تزوج امه بالطريقة التقليدية، أنجبوا اولاد وبنات، …ترعرعوا..في قرية من قرى الشيعة، في سن السابعة أمره ابوه بالصلاة..لم يلتزم “مهم” بأوقاتها..عنفه أبوه وضربه بالعصا..ومن يومها ما أن يسمع الأذان حتى يهرول مسرعا مشمرا عن يديه ليتوضأ للصلاة…

هلَّ رمضان، فرحت القرية والأسرة بهلاله..ابتهل الكل لله..هدا يبتهل لله برزق وفير وذاك بخِلفة بعد طول سني الزواج وتلك بزوج لابنتها التي بلغت ال 15 سنة دون ان يطلب رقبتها احد..لا تنام الام المسكينة من وجع التفكير بمصير ابنتها..في هذه الاثناء، في ليلة الشهر الفضيل الاولى قال الاب لابنه زاجراً ” غدا اول رمضان اريدك ان تصوم ، اذا رأيتك فاطرا يا ويلك من سورة غضبي”، منذ ذلك اليوم لم يفطر او يفرط “مهم” في صيامه..

بعد ثلاثين يوما قضاها “مهم” في ليالي رمضان، في كنف الاسرة متنقلا بين “غبقة” وسحور، متلذذاً بعشرات من الاطباق التي تُعد ويُكب معظمها في سلة المهملات، أخيراً أتت ليلة العيد، أو هكذا ظن “مهم”..ركض “مهم” لمجلس الرجال الذي يتلى فيه القرءان ليسأل أبيه عن يوم غد، يوم العيد، لم يسمع أباه سؤاله لأن المجلس كان يعلو فيه صراخ الحضور بأحاديثهم التي تعلو صوت مرتل القرءان، لما سمع اباه سؤاله، قال له لا نعرف يا بني بعد ان كان يوم غد هو يوم العيد ام لا، متى نعرف اذا ، سأل “مهم” مشدوها، ننتظر ان يأتينا الخبر من العلماء..قاربت الساعة الحادية عشر مساءا، انفض سامر الحضور وتوقف مرتل القرءان، عاد “مهم” لابيه، أبتي، هل وصلنا خبر العيد، قال الاب لابنه، نعم، الشيخ فلان عنده عيد اما الشيخ علان فليس عنده عيد، ونحن من نتبع، سأل”مهم”، قال الاب بزهو وفخر عظيمين لم يفهم الطفل كنهه حتى اللحظة: “نحن نتبع شيخ فلان حفظه الله، ان قال لنا عيد عيدنا”..

عيدوا..مضت الشهور، هلَّ المحرم، في القرية 15 مأتما للرجال وضعفهم للنساء..رأى الطفل أباه يقصد ثلاثة فقط دون ال 15، لم يجرؤ ان يسأل ابيه فغدى يسأل امه، اماه لماذا يقصد ابي ثلاثة تحديدا دون ال15 ، قالت، اما الاول فهو ماتم عائلة ابوك، والثاني اصدقائه والثالث ماتم احد الوجهاء يخطب فيه خطيبا بارعا في تعظيم المصيبة والبكاء..فقال الطفل وانا اي مأتم اقصد، قالت الام بثقة، اقصد ما يقصده اباك..ولماذا ياأمي لدينا 15 مأتم ، قالت الأم وقد انتفخت اوداجها غضبا ” هذه شعائرنا ، قاتلك الله على هذا السؤال، هذا ذكر الحسين،” رد الطفل، انا سألت فقط يا امي ليس اكثر، اسالتك غبية يا ولد ماذا تريدني ان اجيبك..

بدأ الخطيب، وصاح بأعلى صوته، ايها الشباب ، ابنائي وبناتي، خرج الحسين من اجلنا فلا نبخل عليه بلطم وحضور وخدمة وتقديم طعام..هذا واجبكم..هذا اقل ما يمكننا ان نقدمه للحسين..هذا كل ما لدينا لنقدمه…خرج الموكب فلبى مسرعا نداء التضحية، لطم..ولطم .وبكى..وأكل وضحك ونام..

صحا من نومه…عاد للمأتم، ضحك، اكل ..بكى ضحك..لطم..اكل..ضحك ونام

مضت السنون، تخرج الولد من الاعدادية..بتقدير جيد..سال “مهم” ابيه، ابتي، اريد مساعدتك، اي مسار اختار، علمي، ادبي، تجاري، صناعي، قال الاب، لا علم لي بذلك اختر ما اختاره اخوانك، او اولاد عمك او اولاد اخوالك..سال “مهم”  ابن خاله المقرب اليه ودله على الادبي..ذات مساء، بعد ان عاد من لعب كرة القدم في الشارع مع اصحابه دخل بيتهم ليستحم فوجد ابيه في انتظاره، قال له: كبرت يا “مهم” ولابد ان تقلد، قال وما التقليد، قال تختار فقيه من الفقهاء وتلتزم بكلامه ماحييت، في صلاتك في حجك في صومك في قيامك في خلوتك في منامك، كل شي.ارجع الامر له وارتاح، ارتاح مم يا ابتي، قال انك تبرأذمتك امام الله، ما تفعله مادام انت مقلده في رقبته يوم القيامة وانت تخرج سالم معافى من المسؤولية، هذا معنى التقليد، ان تقلد اعمالك في رقبته كالقلادة..حسن، ومن اقلد، هل لي نطاق الحرية سأل “مهم ” متحمساً، لديك الشيخ س وصاد وعين ، غير هؤلاء الثلاثة لا تقلد احدا..

بعد تفكير وجيز، اختار، اختار من يقلده ابوه، بارك له ابوه حسن اختياره  ومضى يستحم ويغسل عنه عرق اللعب…

مضت ثلاث سنين الثانوية بسرعة ووجد نفسه امام اختيار صعب ايضا، اي تخصص يختار للجامعة، هذه المرة تعلم الدرس جيدا ولن يسال ابيه، عرف كيف يختار قراره، من.توجهات المحيطين به..

تسامر ذات ليلة مع جار له، جاره كان شخص يحب اقتناء الكتب، لكن دون ان يقرأهم..جمعهم يجعله يشهر باهمية كونه مثقف..بعد فترة قصيرة نما حب الكتب في نفس “مهم” ايضا  واشترى كل ما يمكن ان يشتريه من مصروفه، لكنه لم يجد متعته في قرائتهم، كل ما يمتعه معرفة اسماء مؤلفيهم وعنواينهم، اشترى رسالة عملية لمقلده ذات ال20 جزء، لم يجد حاجة للرجوع لاي منها في فترة دراسته وبعد تخرجه..

بعدما تخرج من الجامعة وفقه الله للحصول على وظيفة، لكن الحظ لم يكن من نصيب اصدقائه وبنو عمومته، غضب العاطلون وخرجوا بمظاهرة..لم يجد “مهم” بدا الا المشاركة فيها خصوصا ان الشيخ فلان الذي وصاه ابوه ان يفطر ويصوم على رايه ايد هذه المظاهرة ..وظل يخرج في المظاهرات ويحضر المجالس والدواوين..واصبح ينظر اليه انه مثقف، واع، متدين، محافظ..

ويتبع سببا، حتى اذا وصل لهذه النظرة في اعين اهل القرية، رُشح في ادارة المأتم والصندوق والنادي والمسجد، واصبح وجيها عند اهل القرية..وعند الله.. يجلس في المجالس والمآتم ويتحدث عن الموضوعية والعلمية والبحث..

لكن في اي جزء من حياته كان للعلم والعلمية موطئ

هذه قصة فرد وقصة قرى بأكملها الا ما رحم ربي.

ملاحظة: هذه قصة وهمية من خيال الكاتب لا تشير لاحد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s