كيف تتكون شخصياتنا وبم تتأثر؟

عندما يكون الفرد عبقريا أو غبيا، نشطا ام بليدا، كاتب ام غير كاتب، وغيرها من الكمالات والمواهب والمهارات وما يقابلها من اضدادها، ما الذي تسبب في ذلك؟ هل هي البيئة او الجينات الوراثية؟

قد يظن البعض ان هذا سؤال قديم جدا اشتغل عليه المفكرون والعلماء ووصلوا لنتيجة حاسمة فيه ولا جدوى من الانشغال فيه الآن.

السؤال هو حقيقة قديم لكنه لم يحسم لحد الآن علميا وفكريا. لا يزال هناك باحثون يخضعون للتجربة نظريات قديمة ويطرحون مقاربات تنظيرية للوصول لخلاصة مرضية علمية صلبة.

تتراوح الدراسات بين علماء النفس في هذا الخصوص بين ثلاث رؤى. الرؤية الأولى تعتقد ان   كل ما في شخصية الفرد تحدده جيناته الوراثية وهو ان كان عبقريا، كاتبا، المعيا، غنيا، تاجرا، ناقدا، الخ، فهي بفضل عوامل جينية تدفعه لاإراديا ان يكون كذلك وان تأثير البيئة هامشي جدا في ذلك بحيث لا يقوى ان يكون عاملا مؤثرا بقوة ان يجعل الشخص عالما ان لم تتواجد فيه جينات العلماء. من قادة هذه الرؤية عالم النفس الإنجليزي “فرانسيس جالتون”(1822-1911). خلاصة نظريات جالتون هي ان الطبيعة (أي جينات الفرد) هي من تحدد كل الصفات والإنجازات وانه اذا حدث وكانت العوامل البيئة ذات تأثير قوي فإنه يعترف بفضلها لكنه يعود ويقول ان تداخلت عوامل البيئة والوراثة تطغي الصفات الموروثة على عوامل البيئة فتهمشها او تقلل من أثرها. وصل جالتون لنتائجه هذه من خلال دراسة تجريبية لجنرالات حرب، تجار، كتاب وعلماء عصره ودرس بيئاتهم ووجد النتيجة المذكورة آنفا. يعتقد جالتون ان الصفات والمواهب ومحددات الشخصية تتوارث عبر النسل في كل عائلة وان اختلف تأثيرها من فرد لآخر.

على الطرف النقيض من هذا الموقف العلمي هو موقف مواطنه الفيلسوف ” جون لوك” (163-1704)، ففي عام 1690 قال ” لوك” ان الطفل في هذا العالم يولد صفحة فارغة والمجتمع هو من يملأها وجميع البشر متساويين في هذه البداية. في خلاصة علمية مشابه لجان لوك يقول العالم تشارلز داروين في عام 1859 ( وهو من أقرباء جالتون) ان البشر هم على ما هم عليه الآن بفضل تكيفهم وتفاعلهم مع بيئتهم المحيطة. وفي عام 1925 وصل عالم نفس السلوك جون واتسون انه ” لا يوجد شيء اسمه توارث مواهب ومزاج وذكاء وقدرة عقلية”.

هذا من الناحية العلمية التجريبية. هناك ناحيتين ينبغي الالتفات اليهما وهما الناحية الدينية وناحية التجربة الشخصية لك.

الناحية الدينية لا يوجد تنظير علمي أساسا لمثل هذه المواضيع ولا توجد مقاربات أساسا لا عند الشيعة ولا عند السنة (لا اقصد تكرار حديث محفوظ هنا وهناك بل اقصد دراسة علمية محكمة لمقاربة دينية لهذا الموضوع).

عندي مقاربة لفهم هذ الموضوع من الناحية الدينية ومنطلقها الحديث الذي انقله بالمعنى ومؤداه ان الانسان يولد على الفطرة وابواه يهودانه او ينصرانه. اعتقد ان الانسان هو مزيج بين اثنين فلا مقاربة جالتون في نظري صحيحة شارحة لحياة البشر ولا مقاربة واتسون كافية للفهم كذلك. لو قمنا بدراسة شاملة اكبر من الدراسة التي قام بها جالتون لوجدنا العديد من الناجحين انما نجحوا بسبب البيئة وانهم لم يتوفروا على أي جينات بشرية متراكمة او نازلة من اجدادهم الاولين.

الانسان هو ناتج مزيج من تضارب وتفاعل وانسجام قوى موروثة وقوى البيئة وان الله سبحانه اودع فيه قدرة كبيرة على إدارة دفة هذا التضارب والتفاعل والفرق بين شخص ناجح وآخر غير ناجح ليس لان الأول اعلى جينيا بل لأن الأول عمل ولم يستلم ل ” مؤثرات جيناته” بينما الثاني لم يعمل، والعمل مسالة إرادية لا جينية.

لذلك، مقاربتي لهذا الموضوع هو ان الانسان عبارة عن ناتج ثلاث قوى ، طبيعته ( جيناته)، بيئته، وقواه الذاتية الشخصية في إدارة الطبيعة والبيئة. هناك بشر سليلي عباقرة وفي بيئة رائعة لكنهم بليدي فكر ( نادر الحصول ربما لكني وجدت ذلك).

لنضرب مثلا، الإمام علي، عليه السلام، هو خير مثال يؤكد مقاربتي. الإمام عليه هو سليل بيت طاهر، اشراف قريش وسادتهم ( جينات) ولد في حضن طاهر وتربى في حضن طاهر وتعلم منه، حضن رسول الله ( بيئة) وهو بكمالاته ومجهوده العقلي والفكري، سما، حتى وصل لمنزلة أسر بها القلوب العقول، ولنتأمل أثر البيئة وأثر اجتهاده الشخصي في مقولته ” علمني رسول الله الف باب من العلم فُتح لي من كل باب ألف باب”. مثال آخر، السيدة زينب عليها السلام شبيهة أبيها في المنطق والبلاغة وقوة الحجة، لو انها ولدت وحرمت من أبيها منذ ولادتها، فهل كانت ستكون مفوهة مثل ما كانت عليه حقا في الواقع، دون ان تتفاعل مع ابوها وتأخذ منه هذه المواهب والمهارات؟

عندما نراقب الافراد من حولنا تلاحظ بشكل جلي فعل بيئتهم على سلوكهم وانفعالاتهم، بما يدحض نظرية جالتون، ويمكن ان تلاحظ في الفرد منهم ان يتغير بشكل جذري فور تفاعله مع بيئة أخرى حتى تكاد ان تقول ان هذا الشخص هو ليس ذاته من نعرفه قبلا.

من ناحية أخرى ينبغي التنويه ان هناك اشخاص ناجحين وموهوبين طوروا مهاراتهم ومواهبهم ونجاحاتهم من عمل شخصي بحث. لا  البيئة كانت تساعدهم ولا جيناتهم رفعتهم. كما ان هناك اشخاص ناجحين ومميزين بفضل البيئة فقط وانه لو لا البيئة لما وصلوا لما وصلوا اليه اذ لا يتوفرون لا على مقومات علم ولا اخلاق ولا فكر ولا ثقافة ولا مواهب، فهم خلو من ذلك كله.

في الختام، اذا الجينات لا تعينك، و بيئتك غير صالحة و قاتلة، لم يتبق اليك الا نفسك، حارب بها فقط.. التجربة تقول ان الطريق يكون طويلا ووعرا عندما  تحارب بنفسك فقط، لكنه بالطبع افضل من العيش بالبيئة فقط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s