صدفة.. وطرفة عين

 

لاحظت أن بعض المغردين مؤخرا قام بنشر مقابلة الفنانة المصرية رجاء الجداوي… دفعني الفضول لمتابعة المقابلة ومدتها 45 دقيقة سر اهتمام المغردين بنشر مقابلة لفنانة لا تسمى في حقل الفن بفنانة شباك تذاكر بالرغم من عمرها الفني..

تابعت المقابلة بتمعن ولا أخفي عدم ندمي على قضاء ذلك الوقت..بل كنت مسرورا فعلا.. كان حضورها لافت في المقابلة.. كانت عفوية دمجت بين تواضعها استقراطيتها فظهرت بصورة موقرة..

لكن ما شدني فعلا في المقابلة ودفعني لكتابة هذا المقال هو ما وصفت فيه حياتها ان كل شيء حدث لها في كل تفصيل من تفاصيلها كان بمحض الصدفة..ولا اعتقد انها تعني ب ” الصدفة” ما يعرفه الملاحدة..بل تقصد بالصدفة انها لم تعمل عقلها قط للإرصاد والظفر بكل ما حدث في حياتها.. فهي لم تخطط ابدا ولم تفكر مطلقا في مقابلة او جذب زوجها لاعب كرة القدم المصري ولا ان تكون عارضة أزياء ولا ان تكون ممثلة.. ولا حتى في اختيار اسمها الفني ” رجاء” ( اسمها الحقيقة نجاة)… ولا ان تكون طفلة مدللة تشرف على تربيتها مدرسة إيطالية وتتلقى تعليمها في مدرسة داخلية فرنسية او مراهقة معوزة تبحث عن المال في اقل المهن.. كل شيء كان يحدث لها دون عناء جهد منها..او هكذا نظن..

” تصادف” مشاهدتي للمقابلة مع انتهائي تواً من قراءتي الثانية لكتاب ” طرفة عين” للكاتب المميز مالكولم غلادويل.. وربطت بين ماقالته الفنانة عن حياتها وبين ماقاله غلادويل في كتابه..

الفكرة المختصرة لكتاب غلادويل هذا هو انه يقول اننا كبشر يحدث ان نركز اهتمامنا في اتخاذ أي قرار على تحليل عميق جدا مسبق ومحاولة مستميتة لاستقصاء شتى أنواع الأدلة والقرائن التي تشفع لنا او ” تساعدنا” في اتخاذ القرار قبل ان نقرره. كل ذلك الجهد الذي نبذله في هذا الاستقصاء والتخطيط لأننا نخاف من عواقب قرارنا ” الغير مدروس” لكننا في كثير من الأحيان قد نتحذ قرارات كثيرة دون هذا الجهد من التحليل المعمق المسبق وفي ذات الوقت ننتهي الى نفس النتيجة.. ويسمي غلادويل القرار الذي نتخذه دون عناء تحليل مسبق قبلاً ب”طرفة عين”…اي قرار برفض او قبول شيء ما من الوهلة الأولى دون ان نحتاج الى التفكير مطولا.. فقط بفترة زمنية مقدارها ” طرفة عين” نرفض ونقبل دون تفكير شعوري عميق وتكون النتائج مرضية تماماً.. الرسالة التي يريد غلاوديل ان يوصلها الينا في هذا الكتاب اننا لدينا ” حدس” قد يكون مصيباً في أوقات كثيرة لكننا نغض الطرف عنه خوفا من ” المخاطر” فنبتعد بذلك عن الاستماع لأنفسنا ونعتمد كليا على المعطيات الخارجية وننسى الصوت الذي في دواخلنا..

لكن غلادويل لم يفسر كيف ننمى هذا الحدس في داخلنا..مع الأسف اغفل ذلك تماما في كتابه..وهذا ما تصدى له الكاتب المبدع الرائع روبرت غرين، فانبرى يشرح في كتابه الألمعي ” السيادة” كيف يطور الفرد هذه القدرة…

فما حدث للفنانة رجاء كلها احداث بطرفة عين.. هكذا تبدو ربما.. لكن في قصتها وقصة امثالها جوانب أخرى حتما.

في اعتقادي انه لا يوجد حل سحري لكل هذا فالأمر لا يخضع لما قاله غرين ولا غلادويل ولكنه أمرا بين أمرين..

لا يمكنني أن أؤمن ان هناك علاقة تلازم بين تخطيطي وعواقب اموري فلله قضاءه وتقديره.. كما لا يمكن ان أقول ان صوتي الداخلي وحدسي هو الأنجع او الأصوب فالصوت الداخلي هو توجيه الله الي  وتوفيقه..كما ان الأمر ليس بما يصفه غرين انه كلما طورت من حاكميتك وسيادتك في حقلك كلما نمى الحدس والقدرة على اتخاذ القرارات وكلما أصبحت الأمور لديك من السهولة وكأنك تحرك قطع الشطرنج على الطاولة..

اؤمن بفكرتهما لكن لا اؤمن بقدرة فكرتهما بتحقيق ما يدعياه لأني أؤمن اننا كبشر ندعي القدرة والسيطرة على اشياء كثيرة ونُنظر لها لكننا حقيقة عاجزين عن تغيير الكثير من تفاصيل حياتنا اليومية التي تبدوا بسيطة.. والسبب لا عدم استماع للحدس ولا عدم التخطيط مسبقا بل لأن الله وقوانينه وسننه لم يسمحوا بذلك.. وهذه الكلمة التي لم يذكرها الكاتبين المييزين، غلادويل وغرين…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s