حرية الاختيار..الأصبع أم الكف

يروي الطبيب والروائي الموهوب والرائع خالد حسيني في روايته الجديدة ” وردت الجبال الصدى” ان رجلا افغانيا يسكن قرية نائية صغيرة فقيرة من قرى افغانستان يمشي بعربته قاطعا جبال افغانستان الوعرة قاصدا مدينة كابول لقضاء بعض الأمور مصطحبا معه ابنه وابنته. عندما جن عليهم الليل واستعدوا للنوم ليكملوا سفرهم صباح الغد الباكر طلب الابن من الأب ان يروي لهم قصة قبل النوم فأعد الأب لنفسه كأسا من الشاي وشرع في قصته: يُروى يا بني ان هناك قرية أفغانية يعيش أهلها على الزراعة ومصدرهم الوحيد للماء المطر بعد ان جف النهر الذي يمر بقريتهم وساءت أحوال اهل القرية التجارية والزراعية فهم على وشك ان يتضوروا جوعا ولا يتمكنوا ان يتدبروا من امرهم شيئا. في هذه القرية يسكن مزارعا يُدعى “بابا أيوب” وكان له أولاد أحبهم إليه وأقربهم لروحه ” قيس”. في بداية ليلة من ليالي الشتاء هجمت على القرية جنية كبيرة. تطلب الجنية من أي بيت من بيوت القرية التي تباغتها أضحية، عبارة عن ابن من أبناء البيت التي تختار الوقوف ببابه. اختارت الجنية بيت باب أيوب وكان لزاما عليه ان يضحي بأحد أبنائه. وامهلته الجنية حتى الفجر ليقرر من سيختار من ابنائه ليقدمه قربان. إن اختار أن لا يقدم قربان التهمت الجنية كل الأبناء.. فلابد ان يقدم واحدا لينجي الباقي أو ان لا يختار ويضحي بالكل. اضطرب امر بابا أيوب وامتلأ قلبه حزنا والما وقرر مع زوجته ان يوكلوا اختيار القربان الى القرعة وخلصت القرعة الى اختيار الابن الأقرب لقلب الأب، قيس. برغم كل الآلام قدم الاب قيس باكيا صارخا: لابد ان اقطع الاصبع لتبقى الكف. فبتر الاصبع وبقت الكف وعاش نتيجة اختياره سنين لا يعمل ولا يحادث اهل قريته، شارد الذهن باكيا خائرا..قرر يوما ان يذهب للجنية في قلعتها اعلى قمة الجبل ليسترد ابنه.. نصحه الكل بالعدول عن جنونية هذا القرار لكنه أبى ومضى في سبيله دون ان يخبر زوجته بذلك. وصل قصر الجنية وصاحت به: لم يجرؤ أحد ان يصل لباب قصري قبلا غيرك فما حاجتك، قال لها حاجتي أن اقتلك أولا ومن ثم آخذ ابني.. دعته للدخول واصطحبته لمكان مرتفع وقالت له ماذا ترى: فرأى مكانا يفيض سحرا وجمالا ..اطفال في عمر قيس متدثرين بأحلى الثياب يطوف بهم خدم موقوفون للاهتمام بهم ورعايتهم ووجد بينهم ابنه.. فقالت له الجنية: احقا تريد ان تأخذه من هذا النعيم الى حيث تعيش انت حيث الحرمان والفقر والعوز والجفاف والجوع والملابس البالية. هل حبك الجم له يجعلك تأخذه من ما ينعم به هنا..!!! عليك ان تختار مجددا يا بابا أيوب، ان قلت نعم اعطيتك قيس ومضيت وان اخترت له البقاء فلا حق لك ان تأتي هنا مرة أخرى ابدا ما بقيت.. فما تختار..

اختار له البقاء ليعيش في نعيم.. 

حاولت ان اختصر من القصة بحيث لا يضر بالمعنى الذي ارغب ان أشارك به البعض وهو حرية الاختيار والشجاعة في العيش وفق تبعات الاختيار برضا وصدق ومسؤولية..

بعضنا يختار بكامل ارادته وما ان يترتب على اختياره مالا تشتهي نفسه يحمل المجتمع واسرته بل وحتى الله تبعات اختياره…

لكننا في مواقف عدة، من الجانب الآخر، نختار ظنا منا اننا كنا احرار في اختيارنا لكننا في حقيقة الأمر كنا احرار فعلا لكن احرار في اختيار الأداة التي سنقتل بها اذ ان قرار الموت اتخذ وانتهى.. كفرد محكوم عليه بالإعدام.. هل هو حر في اختياره حقا لو سألوه اتريد ان تموت بالكهرباء ام بالحقنة ام بالرصاص!!! 

عندما نختار بين سيء وأسوأ هل نحن احرار بالمعنى الحقيقي للكلمة لحرية الاختيار.. 

خذ مثلا امرأة في اسرة فقيرة معدمة تفتقر لأبسط معاني الحياة الإنسانية الكريمة، تُهان من ابيها واخوتها وتُعير من أهلها في اليوم والليلة، بعدها يتقدم لها  و” تقبل” الزواج من رجل يكبرها بعشرين سنة او تكون زوجة ثانية او ثالثة, او تتزوج بمتعة او بمسيار، او تتزوج لرجل غير كفؤ لها، لا لشي الا لتفر من بؤس لبؤس بهامش اقل، هل هذه المرأة حرة حقا في اختيارها؟؟ 

او ذاك المواطن الذي ” يختار”  ان لا يكمل دراسته ليلتحق بسوق العمل ليؤمن معيشته ومعشيتة امه واخوته بعد ان تزوج اباه زواجا ثانيا وهجر منزل زوجته الأولى، هل هذا المواطن حر حقا في اختيار ان يعمل او يدرس!!

هل كان بابا أيوب حرا في اختيار التضحية بابنه؟ وهل كان حرا في اختيار ان يبقى ابنه في نعيم الجنية؟

واذا لم يكن بابا أيوب حرا ولم تكن المرأة حرة ولم يكن المواطن الابن حرا، هل كانوا شجعانا في قرارتهم؟؟ 

حرية الاختيار تتحقق عندما نتوفر على البدائل.. حرية الاختيار لا تنحصر في اتخاذ قرار نهائي.. بل هي في اختيار البدائل التي ستختار أي منها في قرار نهائي والامران ليسا سيان. 

وهب انك توفرت على البدائل او أنها وُقف لك بأي طريقة، لكنك لا تملك الأدوات او القدرة على اجتراحها، فلا تعتبر حينها حرا في اختيارك. 

حرية الاختيار = حرية الوصول لبدائل او خلقها + إمكانية الاختيار والترجيح بينهم 

طبق المعادلة أعلاه على بابا أيوب والمرأة والمواطن في المثالين المذكورين أعلاه فماذا تستنج؟

طبق المعادلة على نفسك في قرارات اتخذتها مسبقا في حياتك، فماذا تجد؟ هل تجد نفسك حرا؟ ام تجد نفسك عبدا للظروف والمتغيرات والمجتمع؟ عبدا للبدائل التي يقدمها لك المجتمع ويجعلك في موقف بابا أيوب، اما قطع الاصبع لتبقى كف بأربع ام لا كف؟ هل كانت لك الحرية لتقول: لا قطع الاصبع ولا قطع الكف، بل اختار ان تبقى الكف بكل اصابعها!!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s