اشعروا بالنقص ارجوكم

اشعروا بالنقص ارجوكم

بقلم: د. جعفر محمد أحمد

تتكرر كلمة “الشعور بالنقص” كثيرا في سياقات دورات تدريبية وورش عمل وكتب التطوير والتفكير الايجابي والتنمية الفردية على الإدارة الفعالة والسعادة. وتكرر كذلك في الاوساط الشعبية فيلمز بعض الناس لأحد الأفراد أنه ” مريض” من “عقدة النقص”. هذه الصفة ليست بالأمر بالإيجابي، مجتمعيا ، لذلك لا أحد يحبذ أن يطلق عليه ذلك وسيحاول المتهم بها ان يفند ذلك بكل قوة وحزم، وعنف أيضا، ربما.       

تدبرت في ذلك وفكرت فيه مليا في ضوء خبراتي وتجربتي في شتى السياقات وبناء على اضطلاعي الجيد على الكتب والمحاضرات التي أولت مشكلة الشعور بالنقص عناية خاصة وتوصلتُ الى تصور بخصوص المسألة أُشارك به القراء. قد يتفق القارئ أو يختلف، وفقاً لتجربته، وهذا هو المهم. أن نختلف بناءً على خبرات وتجارب لا أن نختلف بناءً على أهواء وميول. بالمشاركة في الخبرات والتجارب نتكامل ونتقرب الى الله. 

الشعور بالنقص، من ناحية المبدأ، هو ان يشعر المرء أنه يفتقد لشيء ما غير موجود لديه في الوقت الراهن وعدم وجود هذا الشيء يسبب له ضيقا في اوساطه المهنية والاجتماعية والسياسية. فمثلا هناك شخص يشعر بنقص في فنون تواصله مع الآخرين، وشخص آخر يشعر انه بانتمائه الى فئة معينة من الشعب مهانة و مضطهدة تسبب له صورة غير لائقة في الاوساط التي يحبذ ان يتجانس ويندمج فيها. وهناك من يشعر بنقص في قدرته على استيعاب الأمور التكنيكية في عمله فيسبب له هذا الشعور انزعاج يأخذ اشكالا شتى وهناك من يشعر ان انتمائه لجذور او عرق او جنسية ما في اوساط مختلفة تسبب له شعور بالنقص من ناحية اعتقاده ان هذه الجنسية في هذه الاوساط غير محترمه او موقرة. وهناك من نقص الاموال لديه مقارنه بالآخرين يسبب له شعور قد يضطره لعمل ما لا يتقاطع مع مبادئه التي كان يؤمن بها حتى يمكنه أن يتجانس بشكل فعال مع من يطمح بالتجانس معهم، وهناك من تنقصه القدرة على الفهم والاستيعاب والاضطلاع او الجرأة في التحليل، الخ.  

عدم تواجد هذا الشيء الناقص قد يكون مؤقت يمكن الإحاطة به مع مرور الزمن وتراكم المهارات وقد يكون متعذر الحصول عليه لأسباب خارجية وداخلية في ذات الفرد.

هل هذا الشعور بالنقص سلبي ينبغي القضاء عليه واجتثاثه وعلاجه أو نكرانه وتجاهله؟

الجواب هو: الشعور بالنقص شعور إيجابي جيد جدا لكن بشرطين اثنين.

ليس بالضرورة كل شعور بالنقص هو شعور سلبي و يعتبر مسبة ومثلبة وعيبا وقدحا في الشخصية وينبغي علاجه. الشعور بالنقص، وفقا للشرطين الذين سوف أتحدث عنهما لاحقا أدناه، هو شعور صحي وحيوي ينبغي عدم الخجل منه بل تشجيعه وتخصيص بضع أيام في السنة لنجلس حول طاولة ونحتسي القهوة بصمت وندون قدر المستطاع ما نشعر به من نقص..

الشعور بالنقص هو ” أعراض حالة” وليست الحالة بذاتها تماما كارتفاع الحرارة، هو عارض يشير الى وجود مشكلة التهاب في مكان ما، وعندما تذهب للطبيب تجده لا يعالج الحرارة بل يعالج المسبب او المثير.

وكيف تعرف ان لديك شعور بالنقص تجاه شخص او مجموعة من الاشخاص ما؟

فأنت عندما ينتابك شعور بالنقص، فاعلم ان هناك التهاب في تفكيرك وعاطفتك قادك لهذا الإحساس.. او يمكن ان ننظر للشعور بالنقص كبكتيريا، منها الضار والنافع.. فلنكثر من شعورنا بالنقص النافع..

الشعور بالنقص، بعيداً عن معناه السلبي المجتمعي، هو أساسا صوت داخلي من داخل انفسنا يذكرنا اننا ينقصنا هذا الامر وذاك..

وكيف يكون الشعور بالنقص شيء إيجابي حميد؟ اذا تحقق الشرطان التاليان:

أولا ان يدفعك الشعور بالنقص للعمل لتحقيق وامتلاك ما ينقصك..قلتُ انه من المفيد ان تُحس ان هناك شيء ما ينقصك.. علم.. لغة اجنبية ، جاه، منصب، تجارة، سيارة ، فيلا، الخ.. لكن من غير المقبول انسانيا ان تظل تعيش هذا الشعور بالنقص ابد الدهر.. تحرك واقض على هذا الشعور حتى لا يشكل لك نقصا ابدا وتتخلص من عقدته.. وابحث عن نقص آخر لتشعر به وتحققه.. اذا كنت تشعر بالنقص في حضور شخص يفوقك علما وثقافة، اسعد بنفسك ان لديك إحساس انك وعيت وفطنت ان هناك شيء ما لدى الاخرين لا يوجد عندك وانه ليس صعبا عليك تحقيقه، واذهب وتثقف مثل هذا الشخص حتى لا تشعر في حضوره بهاذ الشعور,… واقلب الآية واتركه هو من يشعر بالنقص في حضورك… اذا كنت تشعر بالنقص من المال، اذهب واجترح الحلول لتجني المال..

الخلاصة هي ان الشعور بالنقص يكون إيجابي عندما يدفعنا للتحرك لملئ ” فراغاتنا” المهاراتية والاقتصادية والعلائقية والاجتماعية .. واعلم انه اذا لم يحركك لذلك سيتحول شعورك بالنقص الى حسد وغيره وضغينة وكره للناس

لا شك عندي ان كل من يحسد ويغار من الآخرين هو مخزون شعور بالنقص لكنه لم يستغل احساسه بالنقص للعمل  بل آثر ان يشعر فقط دون عمل.. الى ان تبلدت عزيمته وتضخمت انانيته وفقد انسانيته..

ثانيا: الشعور بالنقص شيء ايجابي جدا بشرط ان لا ينزلق بنا الى الشعور بالدونية… يحدث ان اجلس ،فرضا، مع شخص يفوقنتي مهارات او مال مثلا، أقول في نفسي: انه يمتلك هذه القدرة والمهارة وهذا ينقصني..لابد ان اعمل على الوصول لذلك. واتعامل مع هذا المتفوق، متفوق بشكل مؤقت فقط، بندية وليست الندية السلبية التصادمية لكن بندية إيجابية انني مساوٍ لك ولا اشعر انني انسان ادنى فقط لكونك لديك ما ينقصني..مظاهر الشعور بالدونية لدى الناس كثيرة… تفاصيل حياتنا اليومية طافحة بمشاهدات صريحة لشعور بعضهم بالدونية… من يتصنع لهجة قوم آخرين.. ومن يتصنع نمط حياتهم…بل ان البعض يصل به هذا الشعور الى التخلي عن المذهب والدين ويكفر او يلحد من إقامة لبضع سنين في دولة غربية… البعض لا يكتفي فقط بالتعرف على مواقع النقص فيه مقارنة بأقرانه او نخب مجتمعه ويعمل بنفسه على ان يتساوى بهم، بل انه يعتقد ان الطريق الأفضل هو الانبهار الكامل والاستسلام الكامل لهم ليتجانس معهم ويتماهى فيهم.. المحزن انه لا يعرف انه اذا اختار هذا الطريق بدلا من طريق العمل فإن من ينبهر بهم لن يقبلوه ابدا مهما حاول ان يتجانس معهم.. سيظل دائهما ” الآخر” الملتحق مؤخرا..

الخلاصة، حذار ان تشعر انك ادنى من أحد…اشعر بالنقص ولا تتوقف عن الشعور بالنقص…لكن اياك ان تشعر بالدونية..

الشعور بالنقص والشعور الدونية امران مختلفان تماما…

ختاما، ذكرت أعلاه اننا يجب ان نشعر النقص بشرط العمل على ردم فجوة النقص، لكن هناك أشياء كثيرة لا يمكننا ابدا ان نعمل على ردمها، لانها بيد الرحمن…اذا عملت ولم يتحقق، مهما حاولت… فلا تنس ان للرب مشيئة أيضا…هو يريد وانت تريد ولا يكون الا ما يريده هو… وماذا تفعل بشعورك بالنقص في هذه الحالة؟ تقبله…بإيمان…ولا تتركه ابدا يتحول الى حسد وغيرة في داخلك على من يملكون ما ينقصك..

تلخيصاً، تعرف على نقصك + اعمل واردم الفجوة وحول النقص الى وفرة + يحدث ان يريد الله ان يظل هذا النقص فيك لحكمة منه + حاذر من الشعور بالدونية من أي كائن على وجه الأرض+ واذا لم تستطع ان تردم فجوة نقصك لا تحقد ولا تحسد ولا تغار من احد.. تقبل بإيمان..

اذهب الآن ودون بكل شفافية ما الذي يشعرك بالنقص..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s