افهم نفسك .. ثق بها..وتحداها

تقتني آلة… أو معدة من المعدات .. تمضي جزء من وقتك في فهم كيف تعمل الآلة حتى تستطيع ان تسخرها لخدمتك وان تحقق هدفك من اقتنائها..ربما حاولت بنفسك جاهدا ان تسبر اغوار ذلك المجهول دون الرجوع لأحد… وربما تعجز عن فهم ذلك بنفسك فتستعين بكتاب استرشادي.. او تبحث في شبكة الانترنت او ربما حادثت خبيرا في تلك الآلة أو المعدة…ولا يهدأ لك بال حتى تتأكد من فهمك لها.. تذكر مثلا كيف تصرفت عندما اقتنيت هاتفك الذكي لأول مرة او الآي باد..كل محاولاتك تلك بشتى صنوفها هي محل اشادة لانها من صلب جبلتك.. ان تفهم ما حولك…

لكن ماذا عن نفسك؟ هل حاولت ان تفهمها كما حاولت ان تفهم آلاتك ومعداتك؟ لو أخذت كتاب ، كما فعلت في فهمك للآلة ، لتقرأ كيف تفهم نفسك لوجدت إما كتاب فلسفة يتحدثون فيه بمصطلحات وبمفردات عصية عن اقناع اي شخص سوى انفسهم بمعنى فهم الذات وسبيل تحقيق ذلك..وإما تستعين بما يسمون برجال الدين ..فيزجون عليك بصنوف التوهيمات والتهويمات التي لا تزيدك الا خبالا وتيها..فماذا أنت تفعل؟

انا وجدت طريقي في فهم نفسي…لم اصل الى كماله بعد.. فما زال امامي الكثير.. لكني اهتديت لمنهجية الطريق اما غاية الطريق فانها تطول وابتهل لله ان ابلغها قبل ان ينقضي العمر..

الطريق الذي وجدته في فهم نفسي هو التجربة المباشرة… وطرح التساؤلات المحرجة على نفسي… وأتحدى نفسي في الوصول لجواب مقنع..وانه لأفهم نفسي في الامور الكبيرة لا بد ان افهمها في اتفه الامور واحقرها واقلها اهمية… في تفاصيل الحياة اليومية…

نكبر وتنمو عواطفنا..ما نحب وما نكره.. في ما نحب ونكره نصل احيانا في انغماس شديد جدا او نفور جدا.. لكننا لا نواجه انفسنا لماذا انا احب هذا واكره ذاك.. ليس كل شيء نصل لجوابه.. في حالات كثيرة جدا لا نصل لمعرفة لماذا فاقصى ما يمكن ان نبرره هو “جيناتنا”.. أو أنه قدر مقدور..

معرفة النفس تحررنا.. تحررنا من السخط..من الاحباط.. والحسد والغيرة..تحررنا حتى من احلامنا .. من تعلقنا في كل شيء ترنو اليه انفسنا وتتشبث به… تحررنا من شعورنا بالخزي.. من شعورنا بالنقص..تحررنا من شعورنا بالدونية.. وبالتالي تتحقق ثقتنا بأنفسنا.. ما هو تعريف الثقة في النفس؟ كلما قل شعورك بالدونية والنقص وقل تعلقك في كل ما يجنح لرفضك فانت واثق بنفسك.. وكيف يقل شعور النقص؟ جوابه في محله في وقته…

انقل لكم تجربة شخصية ومن ثم استشهد بشخصية تاريخية مؤثرة جدا جدا..

منذ سنين الدراسة المدرسية والجامعية، كان يعرض علي بعض الاسئلة التي تسمى اسئلة ذكاء.. اسئلة رياضية معقدة ينبغي الاجابة عليها في بضع ثواني.. وبعضهم يطلب مني ان اجيب على جمع او ضرب او قسمة ارقام بدون آلة حاسبة بحجة ” شخص بذكائك من المسلمات ان يعرف ذلك”. كنت اشعر بسوء حقيقي كبير جدا.. كنت اشعر بخزي.. كنت اعتقد انني اقل بكثير من هؤلاء الذين يجيدون ما اعجز عنه..

بعد فترة..أدخلتني اهتماماتي في حقول كثيرة…بمنة وفضل وترحم من ربي وصلت فيها للسيادة (mastery)، ومازالت تلك الاسئلة والمواضيع عالقة في مخيلتي.. لماذا لا اجيد لك.. هل احتاج لشهادات اكثر.. هل احتاج لدورات تدريبية.. هل احتاج لتأهيل..بعد فترة طويلة من التأمل في نفسي وفي حياتي وجدت ما يلي: أني انسان احب ان آخذ وقتي في الفهم..لا استطيع ان اجيب بسرعة..لا يمكن ان انجز تحت الضغط الذي تفرضه علي امتحانات الذكاء (IQ)… في العمليات الحسابية اعمل ببطء..لكن متى ما فهمتها اتسيد حقلها.. و يبقى شيئ لا يستطيع عقلي ان يعمل به، أنا لا استطيع ان اجري عمليات حسابية ذهنية بسرعة..ولا بد ان أرى بعيني لأفهم.. الكلام النظري يمكن ان افهمه بالسماع لكن الارقام لا يمكن ان اتخيلها اطلاقا ..لابد ان ارى الارقام بعيني لافهمها.. خيالي الرياضي يستجيب لعيني لا لأذني.. عقلي لا يعمل بهذه الطريقة .. لماذا لا يعمل بهذه الطريقة؟ هذا السؤال الذي ذكرته لكم قبلا،  ربما جينات ربما قدر مقدور، ربما هذا ما رزقني به الله، ، سمها ما شئت.. لكن ما افهمه هو اني في مواضيع معينة ، خصوصا الحسابية والتحليلات الرياضية يمتاز فهمي بالبطء.. بعد ان فهمت ذلك .. استطيع الآن ان أقف في وجه أحد واقول له لو سالني ان اجيب بسرعة: اريد وقتي اعطني ورقة وقلم وساجيب عليها.. لكنك اذا اردت اجابة حالا فلا اعرف لذلك جوابا ولا اريد ان احاول اساسا..

سألت نفسي مرة، لماذا اقود سيارتي بسرعة 150 او 160 كلم في كل “مشوار” اقوم به.. لماذا اتجاوز في كل طريق ..حتى لو لم اكن على عجل من امري؟ لم اكن افهم ذلك.. وجدت الجواب اني لا احب ان اسير خلف أحد..ولو في شارع لفترة مؤقتة.. القيادة والمشي بسرعة شخص امامي يتحكم في امري يدفعني للجنون.. لا يمكن أن امشي بسرعة شخص ما.. امشي بسرعتي أنا… لماذا هذه الكره لذلك؟. لا اعرف، جينات، فطرة ، لا اعرف.. ما اعرفه اني عرفت السبب الآن..

جرب..حتى تصل لفهم نفسك….. كيف تفهم؟ كيف تقرأ؟ كيف تدرس؟، كيف تعمل؟ كيف تمارس الرياضة؟ كيف تمارس الرجيم.. لا ترتهن لأحد.. جرب وافهم نفسك… اقرأ كثيرا.. ثم جرب..واذا وصلت لنتيجة لا تتردد في تصديق والثقة بنفسك..طبق وامضي في سبيلك.. وسيتبعك من يريد ان يهتدي بتجربتك…

ليس بالضرورة  كل ما يقوم به كل البشر يناسبك… لا تجعل ما تسالم عليه الناس يؤثر على فهمك لنفسك ويجعلك تحيد عن ما يسعدك محاولة منك للتاقلم.. اشرس جملة تدمر الثقة بالنفس ” هل يمكن ان يكون الناس كلهم خطأ وانا فقط على صواب”.. المسألة ليست صوابية او ضلال اي طرف.. المسألة ان الله خلق كل شخص مختلف..

خذ مثال الزواج.. سنة الحياة الزواج.. لكن ليس كل شخص يصلح له الزواج.. هناك اشخاص مزاجهم ونفسيتهم وطريقة حياتهم ومنهجية تفكيرهم لا تناسبها ان يعيش مرتبطا بشخص واحد مدى العمر.. اذا الشخص لم يعرف ويفهم نفسه انه من هذه العينة من الناس سينتهي به المطاف بالزواج ومن ثم يطلق وينفصل ويركن للشعور بالسوء والنقمة والاحباط والنقص والتوبيخ في نفسه وربما يبدأ يعتقد انه فاشل لانه لم يتمكن من تكوين بيت والزواج بينما الآخرين يستطيعون عمل ذلك والحقيقة ان هذا الشخص ظلم نفسه مرتين .. ظلم نفسه لانه لم يسعى لفهم نفسه وما يفهم ويكره بمعزل عن ما يفرضه المجتمع من ” سنن” ومسلمات”، وانه لو فهم نفسه حقا وطبق ما فهمه عن نفسه لما تزوج من الاساس وانه  بتوبيخ نفسه من فشل التجربة انما يمارس ظلم اكبر لانه لم ينتبه بعد انه ليس فشلا منه لكن المسآلة ان نفسيته لا تناسبها الثبات او الزواج او سمها ما شئت…

ماذا نجني من كل ذلك؟ من محاولة الفهم وطرح الاسئلة والدخول في انفسنا والاستئناس بفهمها؟ نجني السعادة، الوقت، المال، الطاقة، والاهم من كل ذلك زيادة هامش السلام في انفسنا- ولا نتوهم ان هناك شخص ما بلا سلام – كل انسان لديه سلام.. حتى المجرم ومرتكب المعاصي وسفاكي الدم ونحن المتعبدين على سبيل نجاة، كلنا فينا سلام داخلنا لكن الفرق في الهامش… ومعرفة النفس تزيد من هامش السلام في انفسنا..

مثلا، عندما تفهم نفسك، بعد تجربة، أنك لا تنسجم مع شركاء في مشاريع مع  أي شخص ولو كان من ذوي قربى، واذا طبقت فهمك لنفسك ولم تنصاع للضغوط المجتمعية، فإنك تكون حافظت على علائقك مع من رفضت ان تشاركهم.. ووقيت نفسك من مشاكل مالية واجتماعية وربما صحية… عندما تفهم نفسك، بعد تجربة ، كيف تفهم وكيف تدون افكارك وكيف يستجيب عقلك للضغوط، تستطيع ان تحدد اي شهادة تدرس واي منصب تطمح اليه….شخصيا اعرف عدد من الناس ركبوا موجة دراسة الشهادات المهنية لان من حولهم درسها، لكنهم انتهى بهم المطاف لخسران في الوقت والمال والجهد دون ان يحققوا شيء لانهم لم يعرفوا انفسهم ان شخصيتهم لا تنسجم مع النظام المتبع في هذه الشهادة..

ربما لاحظ القارئ اني ركزت على كلمة تجربة..هناك خيط رفيع جدا بين ان ترفض القيام بشيء او الاندفاع اليه بناء على مخاوف لا شعورية من مسبقات تشربت بها افكارك من الآخرين دون ان تجربها بنفسك وبين الاندفاع او رفض ذلك بناء على تجربة شخصية… التجربة المباشرة هي حجر الزاوية في فهم النفس .. الحجر الثاني هو العلم والمعرفة والثقافة … الثقافة هنا ليست بالمعنى التقليدي العربي للكلمة، وهو عدد الكتب.. هناك مثقفون لم يقرأوا كتب…كل صاحب تجربة كبيرة هو مثقف ولو كان أميا…

فلا يصح ان ترفض ان تقوم، مثلا، بعمل مشروع بسيط كدخل اضافي لك ولعائلتك بحجة ان ” البزنس ليس لي فأنا لست بشخص مخلوق للتجارة” دون ان تكون جربت اي شي في ذات السياق.. دون ان تكون جربت اساسا كيف تتفاوض وكيف تخطط وكيف تبحث عن المعلومة وكيف تسوق لاي شي بسيط.. تكون بذلك ظلمت نفسك بحكمك على نفسك..اذا كنت مصرعلى الامتناع فليكن، لكن لا تعقب كلامك ب ” انا اعرف بنفسي ” لانك حقيقة لا تعرف نفسك فكيف تعرفها في البزنس وانت لم تجربها..الاجدر ان تقول ” انا خائف وأخاف ان اجرب وخائف ان اعرف نفسي”..

بعض الناس  يخاف ان يعرف نفسه.. بل انه يخاف ان يختلي بنفسه.. يخاف من الصمت حتى لا يكون مع نفسه.. يخاف ان يجلس وحيدا حتى لا تختلي به نفسه وتطرح عليه نفسه اسئلة لا يمكن ان يجبها…لذلك تراه لا يطيق صمتا.. مهذارا..لا يكف عن الثرثرة..دائما بصحبة احدهم..

 أختم بلمحة عن شخصية ألمعية كبيرة هي مصداق لكل ما سردته اعلاه.. انه العالم البريطاني الكبير “تشارلز دارون”..صاحب نظرية أصل الأنواع… سيرة حياة هذا العالم مليئة بلمحات المعية تفيدنا كيف ان هذا العالم وصل لهذا الموقع التاريخي على مستوى البشرية الى ان تقوم الساعة بسبب فهمه لنفسه… ولد دارون لعائلة اطباء.. مارس ابوه ضغطا عليه ان لا يلحق العار بعائلته بعدم التحاقه بكلية الطب.. رفض بادئ الامر لكنه دخل التجربة.. التحق بكلية الجراحين ومكث فيها بعض الوقت الى ان انتهى به المطاف ان اخبر ابيه انه برغم ولعه بالاحياء والجيوليوجيا وتصنيف الكائنات الا انه لا يقوى ان يرى الدماء.. لم يستطع ابوه ان يفهم هذا العذر الا ان دارون اصر على أن نفسه لا تتقبل منظر الدماء والتعامل معها ابدا…انغمس في ما يحب الا ان ذهب في رحلة البيجلز البحرية حول العالم في خمس سنوات التي ألهمته في نظريته اصل الانواع التي غيرت فهم العلم للمخلوقات الى ان تقوم الساعة.. يقول دارون في سيرته الذاتية انه بطيء الفهم يكره الرياضيات كرها شديد لانها تتعبه..وانه لا يستطيع التفكير في المجردات..وانه ليفهم شيء جيدا لابد ان يعمل ببطء ويدون ملاحظات بروية والا فقد تركيزه.. وانه يحب الهدوء ولا يحب الضوضاء.. الجميل في دارون انه متصالح مع نفسه.. لا يناقض نفسه.. اذا عرف انه لا يحب او يجيد شي فانه لا يحيد عن لك ويلتزم به، لكن بعد تجربة…لو لم يكن دارون فاهما لنفسه جيدا لما خرج من كلية الاطباء ولما اصبح دارون الذي نعرفه الان.. العالم والانسان الكبير.. رحمه الله..

الخلاصة، هناك ثلاثة اركان في فهم النفس، جرب، واعلم، واطرح الاسئلة..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s