قراءة في كتاب الحكومة الاسلامية للخميني

يبدوا لي من القراءة الاولية ان الخميني عندما يتحدث عن الحكومة الاسلامية وادلة ولاية الفقيه وضرورتها ومسوغاتها واهدافها فإنه يتحدث عن مجتمع شيعي خالص ولا يتطرق البتة لمعالجة اشكالية المجتمعات التعددية . بمعنى انه كيف يمكن تطبيق نظرية ولاية الفقيه على مجتمع تعددي ذا اغلبية مخالفة للمذهب الشيعي. الخميني على سبيل المثال يستخدم مشروعية الخمس احد ادلة استمرارية الحكومة الاسلامية فهل يعني هذا انه لو اننا في مجتمع ذا اغلبية سنية ممن لا يؤمنوا بالخمس فان نظرية ولاية الفقيه لا يمكن ويجاز عدم تطبيقها في هذه الدولة؟.

الخميني لم يعالج حدود تطبيق ولاية الفقيه او الحكومة الاسلامية فبدى متبنيا عالمية الفكرة لكنه لم يتطرق الى الاشكالات او تحديات تطبيقها على هذه النحو.

كما أن الخميني لم يتطرق الى السؤال الذي قد يطرحه البعض وهو: الا يمكن الوصول الى صيغة حكومية تحقق ذات الاهداف السامية التي ينادي بها الخميني من وراء تطبيق ولاية الفقيه بدون ان تكون تحت هذا الغطاء اي بمعنى الا يمكننا ان نؤسس دولة تحقق اهداف الاسلام الخيرة القائمة على الفطرة الانسانية بدون ان يقودها فقيه او وكيل للأمام او رجل معمم من اي مذهب ؟!!

بالإضافة لذلك، لم يتطرق الكتاب ال تبيان الاهداف او النتائج التي بتحققيها ندرك انه قد تحققت اهداف نظرية ولاية الفقيه ( ما يسمي ب Key performance indicators)  وبالتالي جدوائيتها التطبيقية؟ الخميني في الكتاب يركز كثيرا على ان الحكومة الاسلامية ( وهو التعبير الاخر الرديف لولاية الفقيه ) سوف تمكن الشعوب من مقدراتها وعدم تمكين القوى الاستعمارية والاحتلالية من ثرواتها وتطبيق  الحدود الاسلامية والتوزيع العادل للثروة وغيرها الكثر الي تتقاطع مع ما نادت به ثورات عديدة سواء على العربية او الغربي.

إلا أنه يقول : “هناك احاديث كثيرة تصف كل نظام غير اسلامي بأنه شرك ، والحاكم او السلطة فيه طاغوت”

أنا افهم ان كلام  ائمة اهل البيت المعصومين عليهم السلام بأنه كلام عابر للزمان بمعنى أنه متجدد ولديه الحيوية ليكون قابل للتطبيق في كل الازمنة لأنه بكل بساطة كلام خير مصدره نبوي رباني. وعليه فالقول بان كل نظام غير اسلامي هو طاغوت لو جرى امتحانه في الواقع لوجدنا انه هناك الكثير من الانظمة غير الاسلامية تتبع النهج العلماني وهي مبنية على اساس الديمقراطية والعدالة بهامش كبير جدا بحيث انه يمكن في هذه الانظمة محاسبة رأس النظام وهو على رأس عمله وتوبيخه وحتى عزله ويمكن لأي كاتب ان ينتقد الرئيس علنا والسخرية من افعاله واقواله بكل وسائل الاعلام ، فكيف يمكن ان نصنف هكذا نظام بأنه طاغوت!! وكيف يمكن لمتفكر او مفكرة ان تستوعب وصف الخميني لهذا النظام الغير اسلامي في حين ان في النظام الاسلامي الذي اسسه الخميني لا يجرأ أحد حتى في الاحلام بانتقاد الخميني او الخامنئي ولو بأدب جم ، ولا يجرأ المواطن الايراني ان يشاهد قناة فضائية دون أذن من هذه النظام الاسلامي ودون ان فرض غرامة مالية على صاحب ” الستالايت” على ان لا يعود لمثلها. ايهم اقرب الى وصف الطاغوت.

من المستغرب حقيقة في قراءة بعض كتب الخميني أنك لا تجد لمسة الباحث الذي يدعم كل ما يقوله ويؤكده او ينفيه بالمراجع ( references). فمثلا لم يدلل ولو بحديث واحد مقولة ان كل نظام غير اسلامي هو نظام طاغوتي. تمنيت حقيقة لو ان الخميني اسهب واعطانا لمعة ولو موجزة لهذه الأحاديث مستشهدا من الواقع الدولي بدلا من سرد الكلام في المطلقات والعموميات

يورد الخميني أدلة وجوب تكوين حكومة اسلامية ، أب بنظام ولاية الفقيه، اذكر بعض منها مع تعليقي:

  • النبي (ص) قد أسس حكومة اسلامية, فما دام النبي أسس اسلامية، بوصف آخر الأنبياء وصاحب الرسالة الخاتمة وبحكم معصوميته، فبذات الأرضية تتوفر للخميني او أي فقيه آخر أن يكون على رأس الحكومة الاسلامية! انا أفهم من ذلك انه مادامت الخلاصة واحدة وهي طالما ان النبي أسس حكومة وترأسها وأفتى فيها في كل شيء ( ألست اولى بالمؤمنين من أنفسهم) و” الفقيه” يمكن أيضا، كما هو مطبق حاليا في إيران يأمر في كل شيء ويترأس كل شيء، فما الفرق اذاً بين الفقيه والنبي والائمة؟ الا توجد هناك فوارق تقتضيها العصمة والعلم الرباني وعلم المغيب و و ؟ لا توجد اجابة لهذه الاسئلة في هذا الكتاب
  • طالما أن الله استخلف الائمة المعصومين خلفا للرسول لمسك زمام الحكومة فيتعدى هذا الحق ليصل لل ” فقيه” . ولكن كيف يكون الحق المتعين من الله كمنصب الاهي للمعصوم يصل لغير المعصوم المعمم الذي قد يكون علمه والمامه محط تساؤل اصلا. هل من المعقول ان يخلف الناقص الكامل؟ ايضا لا يوجد جواب في الكتاب على هذا التساؤل.
  • طالما أن الاسلام لديه قوانين تنظم النكاح وماذا يأكل الزوجين حال الزواج وحق الجيرة والعشيرة فهذا مؤداه ان الاسلام كامل والحكومة الاسلامية لا بد أن تتحقق. حقيقز لم افهم العلاقة بين تشريح النكاح وكمالية الشريعة وولاية الفقيه!!.

من جهة أخرى، الخميني عندما يتحدث عن الحكومة الاسلامية فإنه يتحدث عن عالمية الفكرة ولا يتحدث عن إيران فقط. فهو في الكتاب دائما ما يتحدث عن الامة الاسلامية ويبين لماذا ينبغي على الامة الاسلامية ان تؤسس حكومتها لتمسك الزمام بمقدراتها وثرواتها وتقطع الطريق امام الاستعمار الغربي الكافر لينهبها ولتكون ايضا، أي الدولة الاسلامية تحت راية الحكومة الاسلامية، مصداق لما أمر الله به المسلمين من عدم الركون للكفار والطواغيت.

فهو يقول: ” ونحن لا نملك الوسيلة الى توحيد الامة الاسلامية …..الا ان نسعى لإقامة حكومتنا الاسلامية”

” تشكيل الحكومة اذاً يرمي الى الاحتفاظ بوحدة المسلمين بعد تحقيقها….”

يهمني ان اثير هذه التساؤلات: طالما أن الخميني يتبى عالمية الفكرة ويرى امكانية تطبيقها على العالم الاسلامي، ان ينبغي من الناحية العلمية والنظرية أولا بوصفه أكبر منظري هذه الفكرة ان يبين لنا رؤيته في كيفية تطبيقها على العالم الاسلامي؟ كيف سنؤسس حكومة اسلامية للأمة الاسلامية؟ كيف سيعالج الخميني حيثيات الجغرافيا والاقتصاد والتعددية الديني والمذهبية والعرقية والاثنية واللغوية الموجودة في العالم الاسلامي وماذا ستكون حدود هذه الحكومة الاسلامية. هل ستمتد من اندونيسيا الى المغرب ومن جمهوريات روسيا الى حيث يشاء الله؟ وهل ستكون مركزية او بنظام ” ولاة الامصار” كما كان سائدا في العصور الغابرة؟ ومن سيكون ولي الفقيه؟ هل سيتحدد بنظام مجلس الخبراء؟ وما هي الحلول العملية لتكوينه وتمثيل ملايين المسلمين؟ أم أن الحكومة الاسلامية في رؤية الخميني مختصة بالشيعة فقط أم السنة؟ اذا كان يقصد السنة أيضا فكيف سيتعامل مع رفض السنة الاعتراف بسلطته المطلقة؟ وهناك الكثير من هذه الاشكاليات التي لا يتطرق اليها الكتاب مطلقا.

ربما يقول أحد القراء المحترمين ان إيران لا تسعى الى تصدير فكرة الولاية خارج حدود إيران أقول أنه حقيقة لا يهمني في هذا المقام ماذا تعمل الحكومات الايرانية المتعاقبة بخصوص تصدير او عدم تصدير. أنا أناقش الفكرة و”النظرية” من قلم اكبر منظريها. والمسألتان مختلفتان.

وضعت كلمة نظرية بين هلالين في الفقرة أعلاه لأنني حقيقة بعد قراءة هذا الكتاب عدة مرات لا أجد انه يرقى لمستوى نظرية من الناحية العلمية والاكاديمية. هو مجرد كلام في العموميات وفي جزء كبير من فقراته لا يتعدى الامنيات الغير الواقعية. لكي يكتب باحث ما بحثا تنشر له المجلات المتخصصة المحترمة في مجاله لابد ان يكون بحثه مشتمل على مراجع وأدلة لما يذهب اليه من آراء وبنية جدلية محترمة تكون بمثابة السفر وسبر أغوار الأفكار بل أن الباحث يذكر بكل احترام ومهنية في ورقته ما يذكره الباحثون غيره المخالفين له في رأيه ويرد عليهم بأدلته. لم أجد في هذا الكتاب أي شيء من هذا القبيل. لم أجد بحثا متقنا بل خطبة من خطب المساجد والحسينيات. موضوع بهذه الأهمية يستوجب بحثا ونظرية متقنة.

إذا توفر أي من القراء على أدبيات أخرى للخميني تجيب بكل علمية على كل الاستفسارات التي دونت أعلاه فليحيلني اليها مشكورا. جدير بالذكر أنه لا يهمني ما كتب تلامذة وتلامذة تلامذة الخميني في ” النظرية”. ما يهمني أن أقرأ هو ما كتبه وقاله هو. سأكون شاكرا لإفادتي بذلك من القراء. .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s