لماذا نكتب بأسماء مستعارة؟ تجربة شخصية

في العالم العربي، وخصوصا في منطقة الخليج، نكتب بأسماء مستعارة شتى، لأسباب كثيرة، مجملها يتعلق بالخوف… والخوف هنا ليس بمعنى الاشفاق… والرهبة فقط… بل بمعنى الخوف من انعدام السلام… الخوف من الوقوع في مصادمات…

ربما القارئ أو الكاتب العربي أول ما يتبادر الى ذهنه عندما يذكر الخوف هنا هو الخوف من الحكومة والسجن والتعذيب والإبعاد والتنكيل، الخ… هذا بالطبع جزء مهم من الخوف في المنطقة العربية إذا كنت منتقدا للسلطة او معارض لها… خوفك هذا طبيعي لأنك مهما كنت مصلحا ومفكرا وناقدا ومحبا للمجتمع وتتمنى له التقدم من خلال ما تقدمه من نقد، تبقى غريزة البقاء بحياة مكللة بالكرامة دون سجن او أذى مطلب انساني صرف…

الخوف الأكبر هو من الناس… كل جهة وشخص ما عدا الحكومة… ومن تجربتي الشخصية …هذا هو الخوف الأكبر… لان الناس، وهذا ما يتصوره البعض، تضرك وتبالغ في اذيتك أكثر من الحكومة التي تملك الأدوات والسلطة والقوة مالا يملكه هؤلاء الناس…

أنا كتبت بأسماء مستعارة لأني اريد العزلة…اريد ان اتفاعل مع المجتمع دون ان يمسني أصحابه بسوء… بكلمة… بهمز ولمز… بإسقاط… وتمييز…وعدم احترام…اريد ان امارس حريتي في طرح افكاري ورؤاي في السياسة والاقتصاد والمجتمع والدين والعادات والتقاليد دون ان يقود ذلك الى المس برزقي والتمييز ضدي لانتمائي وبسبب افكاري…

الناس في هذا المجتمع لا رحمة في قلوبهم مهما تزينت مظاهرهم وخطاباتهم بالدين والعقيدة. يفتكون بك بشراسة… يميزون ضدك في حقل ما لآراء ابديتها في حقل ثان مختلف عن الحقل الأول. في عملك مثلا، قد يُشمئز او يتخذ منك موقفا لأنك كتبت آراء لم تتسق مع أفكار رب العمل وان كانت تلك الأفكار دينية واجتماعية صرفة لا علاقة لها ابدا بالعمل وان كنت لم تصدح بأي شكل من الأشكال في أجواء محيط العمل او في مواقع التواصل الاجتماعي او المدونات… ردات الأفعال تختلف بحسب قوة آرائك  وابتعادها عن ما يؤمنون به.. ولا تعتقد انه لو تم تصنيفك مثلا أنك ” علماني” او “شيوعي ” او “متغربن” (حتى وان كان هذا التصنيف بهتان وافتراء دون وعي أو بوعي ملتبس بحق) انهم سوف ينصفوك في رزقك او يتقبلوك ك “فرد من الجماعة” في محيطك الاجتماعي.

ولا يقتصر هذا الظلم وهذه الشراسة على المختلفين مع فكرك من أفراد خارج مذهبك او دينك… بل ان الفتك سواء، وربما يكون اشد ضراوة من ” بني مذهبك ودينك”…

إذا كنت شيعيا، سيرفضك الشيعة لأنك اختلفت معهم… والسُنة سيتقبلونك بشرط ان لا توجه لهم نقدك مثلما انتقدت “جماعتك”…وإذا كنت سنيا سيرفضك السُنة لأنك اختلفت معهم…والشيعة سيتقبلونك بشرط أن لا توجه لهم نقدك مثلما انتقدت “جماعتك”…

حتى عندما تتفاعل مع احدهم في تويتر مثلا، يتم التعاطي مع اختلافك اما بالتجاهل بعدم احترام، او الردود المعلبة التي لا تناسب مقامك… وتشعر في داخلك حينها بحجم الأذى الذي تسببت به لنفسك.. لو كتبت باسم مستعار يكون عزاؤك الوحيد قبال هذا الكم من عدم الاحترام او الإهانة من الآخر انك ” مجهول” لكن اين العزاء لو كان اسمك وصورتك معروضتين في هذا الجو من عدم اللياقة والاحترام…

الحل المنطقي هو أن تتوقف عن الكتابة والتعاطي مع الناس بكل صنوفهم فلا تكتب المقالات ولا التدوينات ولا الأفكار ولا تكتب الردود على تويتر ولا ” تغرد بشيء” ولا تشارك أحدا، أي احد أي حرف تكتبه.. توقف تام عن التعاطي مع هؤلاء الناس… مهما استفزك الظلم والجهل والغبن والغباء والعناد والتحريض والتيه… تواصل في انقطاعك عن هذا العالم كله…

هذا حل… لكنه هل سيحل المشكلة…وما هي المشكلة اساساً؟ المشكلة هي حب الكتابة…لكن الكتابة نعمة وليست نقمة.. ليست بالضرورة كذلك.. فهي نقمة أيضا… انه شعور مرير جدا ان تريد ان تكتب نصا وتغالب نفسك ان لا تكتبه… تغالب نفسك على طرد الفكرة من مخيالك … تزيحها قسرا من عقلك…لكيلا تندفع لتكتب…

كل شخص يقرأ جيدا، قراءة بوعي، القراءة الناقدة، ولا علاقة في ذلك حصرا بعدد الكتب.. ( بالطبع عدد ونوع الكتب له تأثير)…بعد ان يقرأ، يتصارع ما قرأه مع ما في عقله، فلابد من هذا الصراع ان ينتج شيء ملموس.. هذا قانون حياة وسنة… لا يمكن الا ان ينتج شيء… هذا الشي لا مجال له للتجلي على سطح الحياة الا بالكتابة او الكلام… بالخطابة… او الأفعال..

اذا كنت تقرأ وتفكر.. ولا مجال امامك لتكتب بحرية…بهويتك دون مواربة..ولا ان تتكلم بحرية مع الاشخاص من حولك… وليس لديك المتسع الاقتصادي والاجتماعي لتحول ما قرأته لأفعال.. فأنك محكوم عليك بالحزن والكآبة والإحباط والوحدة والوحشة والكره…ولا شفاء من ذلك كله ولا عزاء الا بالعزلة…والصمت .. والتأمل…والصبر عل المكروه..

واذا اردت ان تغامر وتكتب واردت ان تنعم بسلام، فهذا مجتمع لا يليق به الوضوح والسلام.. ولا تليق به الصراحة والصدق…لا يجدي معه الا الموارب… والمتخفي…لأنه مجتمع ظالم وناسه متغولون شرسون شراسة الضباع..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s