ثقافة آسف

هذا مقال كتبته قبل احدى ىعشر سنة.. نشرته في جريدة بحرينية في 27 يناير 2006..

أعيد نشره فيما يلي:

لماذا تفتقر مجتمعاتنا إلى ثقافة الاعتذار؟ لماذا أصبح من النادر أن تسمع كلمة «شكراً»، أو «آسف»، في مواقف شتى مثل أماكن العمل، أو في الشارع والأسواق… وحتى في المنازل؟

من المسئول عن غياب هذه الثقافة بيننا؟ أهم المثقفون؟ أم علماء الدين؟ وما الأسباب وراء غياب ثقافة الذوق العام في التعامل بين الناس؟

قد تكون الأسباب نفسية لأننا أمة أدمنت ومنذ قديم الزمان على التغني والاعتداد بنفسها حتى آمنت لدرجة البلاهة أنها، وبعد ما وصلت إليه من انحطاط، فوق الأمم! وامتدت الميغالومنيا (جنون العظمة) إلى جميع الأفراد، وأصبح في عقلهم الباطن أن كلمة آسف تقلل من قيمتهم وتنزل ذاتهم من قصرها العاجي.

لننظر كيف يتعامل السواد الأعظم من الناس مع أبناء الجالية الآسيوية مثلاً في الأسواق والمحلات التجارية وأماكن العمل. كم واحد منا قال كلمة شكر لأي عامل آسيوي اصطنع العارفة عندنا؟ كيف ذلك ونحن ما فتئنا نكرّر أدعية الإمام علي بن الحسين بن علي زين العابدين (ع) في مكارم الأخلاق وهو يعوذ بالله من ترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا، أو حين يستعيذ بالله من سوء الولاية لمن تحت أيدينا؟

في أيام طفولتنا، اعتدنا على الذهاب إلى المجتمعات الحسينية في مآتم القرية، وأذكر جيداً أن الخطيب كان غالباً ما يصل متأخراً عن الموعد المقرر لخطبته، وما أن يصل حتى يركب المنبر ويشرع في إلقاء خطبته العصماء من دون أن يعتذر للحاضرين عن تأخره، وكأن الحاضرين أعجاز نخل خاوية، لا قيمة لهم ولا لوقتهم.

في طرف مقابل لذلك، استوقفني موقف المرشح الديمقراطي الأميركي السيناتور جون كيري (الغربي الكافر مثل ما يحلو لبعض رجال الدين تسميتهم)، الذي وصل متأخراً قليلاً عن إلقاء خطبته التي سيعلن للناس فيها عن خسارته للانتخابات، وما أن وصل حتى استهل كلمته بتحية مرشحيه، ومعتذراً لهم عن تركه إياهم ينتظرون وصوله!

بعد ملاحظة متأنية في المسرح اليومي لحياتنا يستطيع المرء أن يسطر عشرات المواقف التي تبرهن على غياب تلك الثقافة عن مجتمعنا لدرجة أنه قد يصبح من الترف أن تطالب شخصاً ما، بعد أن تفتح له باباً في مكان ما، بكلمة «شكراً» على معروفك. لماذا؟ لأنه في الحقيقة لا يدرك وجود هذه الثقافة أصلاً، ومطالبتك إياه بالشكر يعد ضرباً من اللامستطاع.

ذات يوم وفي أحد المحلات التجارية رأيت طفلاً غربياً كان في طريقه إلى الخروج من المحل، انتبه الطفل لوجود رجل «عربي» كان خلفه في طريقه للخروج أيضاً، وبعد أن ظل ذلك الطفل ماسكاً له الباب، خرج الرجل العربي من دون أن ينبس ببنت شفة للطفل، هرول الطفل صوب أبيه قائلاً: «أبي، لم يشكرني ذلك الرجل لأني فتحت له الباب»!

أكاد أعرف ماذا همس الوالد لطفله.

 

Advertisements