كيف يمكن أن يسهم موسم عاشوراء في الاقتصاد البحريني؟

هذا مقال كتبته قبل احدى عشر سنة. نشرته في جريدة بحرينية يوم 9 يناير 2006. تلقى المقال حينها معارضة من احد زعماء المعارضة في احدى خطبه معتبرا ان كل البذل من أجل الحسين عمل يقرب لله..!!

أعيد نشره في ما يلي..

جاءت فكرة دراسة مشروع الإمام الحسين نتيجة مخزون كبير لملاحظات على مدى عشرات السنين لممارسات حياتية تقع على الأرض، وتلقي بظلالها المباشرة على صورة المجتمع الملتزم بإحياء موسم عاشوراء من كل عام. فضلاً عن آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على عموم المجتمع. ويشترك في هذه الممارسات عدد من الأطراف: نحن، والقائمون على المآتم، والمتبرعون للأعمال «الخيرية»، ورواد المآتم والحسينيات، و«موظفو» المنابر، من معممين ومشايخ ومقرئين، وغيرهم الكثير. فهل تسائلنا يوماً عما يمكن فعله لأنفسنا بهذه المبالغ الضخمة فيما لو تم تشيد الانفاق بالصورة المثلى؟ دعونا ننظر الى ما يمكننا فعله من بدائل.

البديل الاول: لو فرضنا اننا قمنا بتوزيع مبلغ دينار على الاسر المحتاجة، فإننا سنتمكن من تغطية الحاجات الاساسية من علاج وسكن وأكل لما يقارب من عائلة (تحت خط الفقر) من سنة واحدة فقط! مع ملاحظة ان تعريف «تحت خط الفقر» هو من لا يملك قوت يومه، أي بالتعريف العالمي من لا يملك دولاراً واحداً في اليوم (أي فلساً). البديل الثاني: خلال سنة واحدة فقط، يمكن شراء قطعة أرض لا تقل مساحتها عن قدم، وفي السنة الثانية استخدام المبلغ نفسه لتشييدها شققاً للسكن بأسعار أقل من الأسعار المتضخمة في السوق، حتى يتسنى لأصحاب الرواتب المتدنية الاستئجار.

طبعاً العوائد تستخدم لإعادة الاستثمار والتطوير. ومجموع الشقق سوف لن يقل عن شقة لهذا المبنى. ملاحظة: مساحة الارض قدرت من المبلغ ومن سعر القدم التقديري بما يعادل , دينار للقدم الواحد. البديل الثالث: بفرض ان كلفة دراسة الماجستير للشخص الواحد (في أوروبا) تساوي عشرين ألف دينار، فإننا سنتمكن من إرسال شخصاً خلال سنة واحدة فقط لدراسة الماجستير في شتى أنواع التخصصات. وبالتالي نتمكن من زج حملة الشهادات في خضم السوق للمنافسة، والبقية تأتي.

أما إذا ما تحدثنا بعيداً عن الشهادات الاكاديمية الى الشهادات المهنية، مثل (، ءء، ئء، ذء،) وغيرها الكثير، فانني سأفترض ان كلفة اكمال الشهادة الواحدة للشخص الواحد دينار، فنتمكن من تمويل أشخاص خلال سنة واحدة فقط! البديل الرابع: السواد الاعظم من العاطلين عن العمل هم من خريجي الثانوية العامة أو الاعدادية، وبالتالي فرصهم نادرة للحصول على وظائف تمكنهم من توفير حياة كريمة بعض الشيء، لذلك بالامكان استغلال هذا المبلغ لسنة واحدة فقط لتمويل اكمال دراستهم المدرسية أو الجامعية، خصوصاً ان السبب الوحيد لعدم اكمال دراستهم هو ضيق ذات اليد. وبفرض ان كلفة الفصل الدراسي الجامعي هي ديناراً، أي ديناراً لاكمال برنامج البكالوريوس ( سنوات ونصف السنة) وبالتالي نتمكن من تمويل عاطلاً عن العمل في سنة واحدة فقط لا يملك شهادة بكالوريوس من أخذ الشهادة. البديل الخامس: سنفترض ان كل عائلة تستهلك كيسين من الرز، أي كيس رز في السنة، وبفرض أن كلفة الكيس الواحد ديناراً فقط، ستصبح كلفة استهلاك الرز سنوياً للعائلة الواحدة مساوية لـ ديناراً. وبفرض ان استهلاك العائلة الواحدة للحم شهرياً هي كيلوا، أي كيلوا سنوياً كلفة دينار للعائلة الواحدة سنوياً، فاننا سنحصل على كلفة إجمالية للرز واللحم في حدود ديناراً للعائلة الواحدة لمدة سنة كاملة. إذاً سنتمكن من إطعام عائلة (لمدة عام كامل لا تملك قوت يومها، فضلاً عن سنتها بدلاً من إطعام القرية بأكملها ومنهم عدد كبير يملكون قوت أعوام وليس أياماً، وليسوا بحاجة لهذه المائدة أساساً، اللهم إلا «للتبرك».

فبالله عليكم، أيهما أفضل: التبرك أم إطعام لمدة عام كامل لمن لا يستطيعون شراء اللحم وأكله؟ البديل السادس: بناء مجمع تجاري يتناسب حجمه وعملياته مع المبالغ المدرجة اعلاه. ومن ايرادات المجمع يمكن تحقيق معظم البدائل المذكورة أعلاه. لذلك تبدو فكرة إنشاء مجمع تجاري كبير ناهضة أكثر لأنها ستحقق أهداف بدائل كثيرة.

كما اننا سنضمن تأمين عدة وظائف للعاطلين عن العمل. البديل السابع: إقامة صالات أعراس في مناطق مختلفة من البلاد، بحيث تكون عالية المستوى تستخدم للإيجار بأسعار متدنية عن الاسعار السائدة في السوق، حتى يتسنى لشريحة كبيرة من المجتمع الاستفادة منها. العوائد يتم الاستفادة منها في التطوير وتعزيز مشروعات أخرى. البديل الثامن: إنشاء معهد للتعليم والتدريب المهني. ويبدو هذا المشروع ذا كلفة مرتفعة عن المشروعات الأخرى، إذ يستلزم متابعة مالية مرتفعة ومستمرة للتحديث والتطوير. وبالامكان مواجهة هذا التحدي من خلال عوائد المشروعات الأخرى، إذ اننا لن نكتفي بتطبيق بديل واحد فقط في وقت واحد، بل يمكننا تطبيق أكثر من بديل في آن واحد. البديل التاسع: إنشاء مصنع، نعم مصنع! يمكننا بتوفير مبلغ سنتين متتاليتين أي ما يقارب ,, دينار من إنشاء مصنع للملابس الجاهزة، أو أي منتج آخر، وتوظيف العاطلين عن العمل وغيرهم من أبناء المجتمع في هذه المنشأة، وبذلك نكون قد قمنا بتأمين دخل ثابت من إيرادات المصنع. وتوفير وظائف لمئات من الايدي العاملة المحلية، ونكون قد ساهمنا في اقتصاد هذا البلد، ونحوّل النظرة الخاطئة إلينا من أننا فئة مهمشة أو «عالة»، إلى فئة مساهمة في اقتصاد هذا البلد ونموه.

عوائق التطبيق: إقناع الجماهير بالمبدأ، فإقناع الناس بأهمية وأرجحية ودور البديل الثالث والرابع للأوضاع المزرية التي يعيشها الكثيرون، إضافة إلى ان كثرة الانجاب هي أحد أهم أسباب التخلف الاقتصادي، لأنها تتناسب عكسياً مع قدرة رب العائلة على إعالة الأبناء، فالدخل المحدود ينعكس حتماً على درجة التعليم والقدرة على مواصلة الدراسة العليا في كثير من الأحيان. إلى ذلك عدم قابلية بعض المشايخ ورجال الدين للقيام بدورهم في تغيير فكر الجماهير وعلاج أمراضها الفكرية، خصوصاً فيما يتعلق بالعمل والمؤهلات، إذ من النادر جداً أن يرقى أحد «موظفي» المنابر ويتحدث للعامة عن أهمية مثل هذا التفكير. أضف إلى ذلك إن التفكير بمثل هذه المشروعات يتطلب التنسيق بين الأطراف المختلفة في المجتمع، ومن بينها الصناديق الخيرية والاندية. كما يتطلب الأمر وجود كوادر مؤهلة للتخطيط والقيام بأعباء كل هذه المشروعات.

وهناك الاشكال الشرعي أيضاً، بمعنى انه هل ستقتصر الاستفادة من البدائل المذكورة أعلاه على أبناء الشيعة فقط لأنها أموال تبرعات ونذور للإمام، أم ستطال أبناء أهل السنة أيضاً من المعوزين منهم والمعسرين؟ وما هو المخرج الشرعي لذلك؟ إن قسماً كبيراً من الأموال التي تنفق في الأشهر الحرم والمناسبات المذهبية هي أموال نذور، نذر بها أهلها لإحياء مناسبة معينة، فهل هناك مخرج لجواز أخذ أموال هذه النذور واستخدامها في جهة خيرية لكن بطرق غير إعداد الاكل والموائد كتطبيق البدائل المذكورة أعلاه خدمة للمجتمع على المدي الطويل بدلاً من إحياء مائدة آنية؟ وفي السياق نفسه يمكن طرح الإشكال أيضاً عن أموال الاوقاف، فجزء كبير من الاموال يتم تسلمها من الاوقاف لتمويل مثل هذه الموائد، وبالتالي ربما يتم الاصطدام بعدم موافقتها (الاوقاف) على انفاق الاموال بهذه الصورة. وأخيراً، أهم وأصعب وأعتى عائق هو… الناس والجماهير أنفسهم، فهل تقبل الانتقال من مرحلة الموائد العامرة إلى مرحلة إعمار المجتمع على المستوى البعيد؟

سبق أن تناولت بدائل اقتصادية واجتماعية لموائد عاشوراء، أسميتها مشروع الإمام الحسين. الهدف من وراء ذلك هو تسليط الضوء على حقيقة غائبة عن أذهان معظمنا، وهي قدرتنا على تغيير ظروفنا بأيدينا، بدلا من إلقاء الملامة على فساد حكومي هنا وتهميش إداري هناك.

أتفق أن هناك فسادا إداريا وتهميشا وتجاهلا للكثير من قضايا المحرومين، وان أعداد هؤلاء المحرومين في ازدياد مطرد مع ما شهدته البلاد من طفرات اقتصادية في الآونة الأخيرة. ولكن محاولة الاستكانة لهذه الظروف والجلوس مكتوفي الأيدي واجتراح تخبط اقتصادي بمستوى موائد الحسينيات، لن يجدي البتة في تغيير الوضع المعيشي للناس ولا للمنجز من وعي مذهبي راهن.

ونظراً إلى حساسية الموضوع، فقد حظي المشروع بتعليقات مؤيدة للفكرة متمنية تطبيقها على أرض الواقع في القريب العاجل، والبعض الآخر انصبت تعليقاتهم على رفض الفكرة جملة وتفصيلا، واقترحت تسليط الضوء على الإسراف في الملابس والبذخ المبالغ فيه في حفلات الزواج وبناء المنازل وغيرها كبديل لأموال الموائد الحسينية. كل التعليقات، المؤيد منها والمعارض، هي محل احترام وتقدير، لأنها نابعة من حب الإمام الحسين (ع) ومخلصة لصالح المجتمع العام.

الفئة المعارضة للمشروع المقترح تبرر أن هذه الموائد هي عامل أساسي لإحياء المناسبات الدينية، وأنها ركيزة من ركائز تربية أولادنا وغرس قضية الإمام الحسين فيهم، وأنها وسيلة ناجعة لجذب الناس لحضور مجالس التعزية. ولقد حاولت قدر المستطاع اتباع طريقة علمية للبحث عن بدائل اقتصادية للموائد معتمداً على لغة الأرقام والتقديرات المعقولة التي أعطت أساسا لاستخلاص النتيجة المذكورة سابقا. بناء على ذلك، فإن اقتراح تسليط الضوء على الإسراف في بناء المنازل والملابس عوضا عن الموائد يعتبر مهمة صعبة جداً، وغير ممكنة لأن الإنفاق فيها يكون نسبيا باختلاف الأفراد وتقدير حجم الإنفاق لا يمكن له أن يكون علميا معقولا لافتقاره الدقة.

بالإضافة إلى أن ما ينفقه الأفراد على هذه الملابس والمنازل هي من أموالهم الخاصة ومطالبتهم بتقليل نفقاتهم على هذه المصارف وإنفاقها على تربية وتعليم أفراد آخرين يعد إجحافا وتعديا على حقوقهم. أما موائد الحسين فهي أموال تبرعات وأوقاف باسم الإمام الحسين، فعندما تنفق على تنمية وتطوير المجتمع من أموال الإمام الحسين فإن ذلك يعطي بعدا نفسيا مهما للمشكلة مقارنة بأموال المناسبات الاجتماعية والإسراف الفردي التي تصب في نهاية المطاف في خانة الصدقات، والفرق شاسع بين الاثنين على الصعيد النفسي للمستفيد من مشروع الإمام الحسين.

البعد الآخر لصعوبة البديل المطروح (أموال الإسراف في المناسبات الاجتماعية) فإنها على رغم صحتها نظريّاً، فإنها تشكل عائقا في مستوى التطبيق من جهة تجميع الأموال واستيفائها من الناس، أما أموال التبرعات فهي متوافرة في غير مورد وشكل.

وإذا كان لابد من الإنفاق على الموائد، فإنني اقترح أن يتم التقليل من الإنفاق الراهن بأن نقتطع نسبة معينة من مبالغ الإنفاق، ولنقل 20 في المئة مثلا، وتقوم الصناديق الخيرية بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني بإنفاقها في مشروعات تنموية من قبيل البدائل المقترحة سابقاً. ومن الممكن اقتراح تشكيل لجنة مركزية تنقسم إلى لجان فرعية تقوم بدراسة ومسح ميداني مهني لاستقصاء حقيقة المبالغ والإسراف الذي ينفق في مناسباتنا الدينية في كافة المدن والقرى والمناطق، بالإضافة إلى استبانة لآراء الجماهير في أولوية الإنفاق، وللتأكد مما قلته سابقا من أننا نجترح مؤامرة اقتصادية لا تغتفر

Advertisements