يكفي تحريضا ايها “القادة”

أولا، التحريض هو الحث والدفع والترغيب في شيء تكون عاقبته، حسبما يتخيل المحرض وضحيته محببة..

ثانيا، نجاعة التحريض وفشله تتوقف على عوامل عدة منها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية، ..ومنها أيضا شخصية المحرض ومدى قبوله ورمزيته وقدرته على  الاقناع …

ثالثا، ينجح التحريض بالتكرار في كل أنواع الخطابات ذات النسق الواحد .. والتي تفضي فيها الخطابات الى وعود متخيلة تشكلت صورتها جيدا في فكر المتلقي للترغيب والتحريض حتى لكأنه يرى هذا الحلم قريب من التحقق..

رابعا، التحريض لا ينحصر في السياق السياسي فقط… هناك التحريض الاجتماعي الذي يمارسه الرجال على بعضهم وتمارسه النساء على بعضهن ويمارسه الرجال والناس على بعضهم كذلك..

خامسا، لا يمكن ان ينجح التحريض والمحرض في مسعاه الا اذا كان هناك جاهزية وبيئة خصبة للتلقي والتأثر بهذا الترغيب…فلا يمكن ان يكون تحريض لا شعوري، نعم يكون الانصياع للتحريض بطريقة تبدو انها لا واعية لكنها ما حدثت الا وفق عملية واعتبارات عقلية ومنطقية وشعورية جالت في خاطر المتلقي ووازنها واستسلم للترغيب بوعي ( بغض النظر عن ذكاء الوعي) لكنه لبى التحريض لأنه مستعد لذلك…وبالتالي اذا اردنا ان نعالج التحريض لا نحتاج بالضرورة الى اسكات المحرض بل لتغيير نفسية وعقلية المتلقي والجمهور ومن ثم الجمهور سيختار بعدها بكل وعي ان لا يستسلم لهذا الحث وسيفشل مسعى المحرض.. دع المحرض يعرف بتدرج ان لا حظ له في هذا الجمهور وسيندثر ويتعظ من ذلك امثاله… لا يمكن ان ينجح سياسي في تحريض فقراء معدمين على الثورة الا اذا كانوا فعلا معدمين..ولا يمكن ان ينجح شخص في تحريضه لرجل آخر على تعدد الزوجات او عدم الاهتمام بعائلته او ارتكاب معصية لو لم يكن هو جاهز نفسيا لذلك بفعل عوامل كثيرة جدا سابقة…

مثلا، من يقود المظاهرات والمصادمات مع الشرطة، هل المتفوقون ام غير المتفوقون؟ عندما يكون هناك نداء من منبر ما، هلموا يا ثوار ، هلموا يا احرار، لنخرج لنعتصم في مكان ما، وندافع عن كرامة كذا ونصون حومة كذا، ونذهب قربان لكذا، من يلبي هذا النداء… الحالمون ام الغير حالمون، المتفوقون ام غير المتفوقون، من يغمره اباه بالاهتمام ام من لا يرى من ابيه اهتمام، من يشعر باحترام لنفسه ام من لا يشعر باحترام، من يشعر ان لديه اختيارات في الحياة ام من يشعر ان لا خيار لديه، الخ. ؟؟ انا لا أقول ان من كل من يتظاهر هو من السلبي في كل شيء.. انا أقول ان الحالم المتفوق الواعي الممتلئ امل وحب والمغمور ( او على الأقل المتوفر على القدر الأقل ) من الحب والاحترام لن يسعى للمغامرة ولن يلبي هذا النداء.. لان لديه الكثير في الحياة ليعيشه… هو يشعر ان لديه خيار آخر غير ان يكون في السجن.. او ان يصاب.. أو يقاطع مدرسته معتصما ومضربا مقدما مستقبله وتعليمه قربان لمن يحب ويقدس بدون وعي..

لنكن صادقين مع انفسنا ونراقب ما حولنا بتجرد من نرجسية الانتماء والشعور ولو لوهلة، انظر الى الشارع في قريتك، من تعتقد يحرق الإطارات في الشارع؟ أشخص لديه أمل… لديه حب لنفسه.. لديه حلم يسعى اليه.. لديه حس تحقيق ذات…. ارجوك لا تقل لي الحكومة قتلت امله… بيئته الصغيرة قتلت امله قبل ذلك… ستقول الحكومة قتلت الامل في ابيه واسرته وخرج هو على دين ابيه من الضياع .. أقول اليك لا يعيش الانسان ” مبني للمجهول” يفعل به ولا يفعل… كل ما يحدث لأي شخص هو صنيع نفسه وصنيع مجتمعه..لا يمكن ان يعيش انسان أي ظرف لا يكون لديه أي قدر ولو صغير جدا في حدوثه… نحن بانفسنا، ببيئتنا وتفاصيلها…بثقافتنا، بطقوسنا، بممارساتنا، بطريقة زواجنا، بطريقة انجابنا، بطريقة تفاعلنا مع بعض، بطريق نظرتنا للآخر بطريقة نظرتنا للعالم ، بطريقة فهمنا للعالم صنعنا الاثنين، صنعنا المحرضين والضحايا الجماهير…

بطريقة فهمنا للدين، صنعنا المنابر.. وصنعنا ذهنية تعاطينا مع المنابر ومن يشتغل بها وعليها…ومنطقية فهمنا للدين…فسرنا السياسة تفسير لم يتساوق مع التفاسير الحاكمة في العالم…

من هم المحرضون في مجتمعنا؟ أولا هناك التحريض السياسي، أي عمل ترتكبه أي سلطة تجاه الجمهور يشعر من خلاله انه مغبون فان هذه السلطة تعتبر محرضة ..

المحرض الآخر هو من لا يأمر مباشرة ولا يحث بشكل مباشر لكنه دائم التكرار والترديد بمحاسن النضال، والثورة ، يردد نفس الكلمات والمفردات، مآلات الثوار، مكانتهم، يرمي كلمات الجهاد والتضحية والحراك..

المحرض الآخر هو من يأمر بشكل مباشر لفعل ما…وهو كاحد افراد العصابات…

المحرض الآخر هو من يتخصص في تسويد الرؤية والصورة عند الناس والتبرير لهم انه كل ما فيهم هو ليس من صنعهم بل صنع حكومة او سلطة او مؤامرة دولية.. وانه لا سبيل الا مقاومتهم…هؤلاء المحرضون تبريريون عدميون..

لماذا يحرضون؟

منهم من يحرض لأنه جبان… لا يقوى على التغيير بنفسه.. لا طاقات ذهنية ولا مهارات ولا كمالات..كل ما لديه هو لسانه… ومفرداته التي يتلاعب فيها ليفسد تفكير الجماهير ويهز ثقتهم في انفسهم…

ومنهم العميل..

ومنهم المحرض التاجر.. الذي يحرض ليكون رمز… ويسعى جاهدا ان تراه السلطة كذلك بغية ان يتفاوضوا معه وان يعتبروه هو الرقم الصعب في المعادلة وبعد ان يعتبروه كذلك يمكن ان يناله نصيب من توزير او منصب رسمي عال ليأمنوا من “نضاله”، وبعدها سيتوقف ويعتزل عن التحريض…والغريب ان هذه النسق تكرر كثيرا وما زالت الناس في المجتمعات تمارس ذات الدور… ترفع من يحرضها لمصاف يكونوا هم تحت قدمي من رفعوه قبلا..

ومنهم من يحرض بنية طيبة لكن بأسلوب يفتقد للرشد وبترتيب اولويات لا يتسق مع الفطرة الإنسانية.. فمثلا بدلا من ان تحرضه، وان بنية حسنة، ان يطالب ببرلمان حرضه على التعليم.. ان لا يتغيب عن دروسه… حرضه على القراءة.. حرضه على العمل وجنى المال.. حرضه على الأدب والأخلاق.. حرضه على المحبة..حرضه على الأمل.. حبذا لو قبل ان تحرضه على الديمقراطية حرضته على تعزيز ثقته بنفسه، حرضته على فهم ثقافة الآخرين، حرضته على كيفية التعاطي مع المختلف، حرضته على اخلاق العمل، حرضته ان يقف لمن يعتلي المنبر في المأتم والمسجد ويختلف معه بأدب، حرضته ان يعيش وفق فلسفته هو لا وفق فلسفة احد.. حرضته ان لا يكون تبعا لأحد.. حرضته ان يعيش ويؤمن ان فكرته هو مجرد فكرة، للآخرين فكرهم أيضا، حرضته ان يحاذر من شعاراته في الحياة… ان لا يتبنى الا شعارا هو خطه وخبره…حرضته ان شرف عائلته ليست جسدا وعورة فقط، بل شرف عائلته وشرفه هو ضميره وعقله وحنانه ومروءته وانسانيته مع عائلته أولا وعلمه ودراسته.. حرضه أولا ان  يعامل والديه وجيرانه وزملائه ومعلميه بشرف وإنسانية واذا اجاد ذلك وبرهن عليه، بعدها يصدح بمطالبه السياسية..حبذا لو حرضتموهم على كل هذا قبل ان تحرضوهم على رفع شعار ” البرلمان هو الحل” أو ” ملكية دستورية”…وارجوكم لا تتذرعوا ان الحكومة منعت وافسدت عليكم خططكم ونفسياتكم في فعل ذلك.. هذا التحريض الوحيد الذي لا يمكن ان تحاسب عليه احد…

أيها المحرضون:

آن الأوان لكم أن تخرجوا من حياة الناس…دعوا الناس يفكروا لأنفسهم بأنفسهم…كفاكم محاولات فاشلة..

شكرا لكم.. شكر الله سعيكم.. هل يمكن ان ترحموا الجماهير وتنزلوا من على خشبة المسرح وتجلسوا في بيتوكم ولا تبرحوها…

اخرجوا من حياة الناس ولا نريد ان نراكم ابدا ولا نريد محبتكم ولا نريد حرصكم ولا نريد تضحياتكم ولا نريد نضالكم ولا نريد رمزيتكم.. آن الأوان ان تتركوا للناس مجال ليشعروا هم برمزية انفسهم وضمائرهم.. آن الأوان ان تتركوا الناس تقيم خياراتها دون تأُثيراتكم ودون اجتهاداتكم..

خبرناكم وجربنا اجتهاداتكم وتفسيراتكم وخطبكم وتحليلاتكم وتوجيهاتك ودعواتكم  وشعاراتكم المعلبة والمستهلكة والمتهالكة.. منذ التسعينات وانتم تمارسون العبث بمصائر الناس وافكارهم وقرارتهم.. ربع قرن وانتم تعربدون في ادمغة الشباب والأطفال والنساء… تعربدون في ضمائرهم وخياراتهم وثقتهم في  أنفسهم…

اخرجوا من حياة الناس ويكفي عربدة…

يا.. شكرا لك.. بعد ان تخرج من سجنك لديك زوجتان.. نبتهل الى الله ان تعتزل السياسة وتخرج من حياة الناس وتدعهم يقرروا كما يشاؤون واستمتع بوقت مع زوجتيك هنأكم الله…

 ويا ….لا نريد منك اضرابك عن الطعام. اجلس في بيتك واضرب كما تشاء. ابنتيك تستمتعان بوقتيهما الآن في أمن وأمان في أوروبا. ابنتك خرجت بعدما حرضت وثورت وحمست الأطفال فمنهم من ترك دراسته وبدلا من جلوسه في صفه يجلس في زنزانته. وأين ابنتك الآن؟ خرجت دون خدش واحد ولم تمسسها رصاصة في قلبها ولا صعق كهربائي.. خرجت بكامل اناقتها وشعرها المنسدل على كتفيها… فهلا تكرمت واخبرتها.. في اتصال هاتفي.. اننا لم نعد نريد نضالها.. واما ابنتك الأخرى فلله ذرها.. تمارس نضالها للشعب من وراء تويتر تعتقد ان وزير الدفاع والخارجية ورئيسة الوزراء في بريطانيا جالسين مثلا لا شغل لهم تاركين لمسئولياتهم  كم ترك الأطفال واولياء امورهم في بلدنا مسئولياتهم تجاه تعليم أبنائهم ولم يحركوا ساكنا لامتناع اطفالهم عن مدارسهم في يوم محاكمة هذا وذاك وذكرى هذا وذاك….

يا… عافاك الله،  لم نرى منك الا التفرقة والاحتجاج على كل شيء واي شيء.. انت فقط تحتج لتكون معارض… هل يمكن بعدما تخرج ان تلزم بيتك ولا توجد ضرورة ان تبحث عن حزب او جمعية لتنضم اليها فقط لأنك  تريد ان تنشق عنها بعد سويعات.. اذهب لولدك الذي يستمتع بجوه في لندن واقضي ايامك الأخيرة هناك لا تثريب عليكما فلقد اجدتما في نضالكما جيدا في حق هذا الشعب..

يا … يكفي بحق الله والانبياء والرسل، يكفي خطبا.. منذ التسعينات وانت و…و…تعربدون في مجتمع الشيعة كما شئتم، تناحر الناس وكرهوا بعضهم بسبب ذكائكم السياسي الدفاق.. لا الناس احبت بعضها ولا الناس حققت ما تريد .. كل ما كسبته يا … هو تقديسهم الزائد لك الذي ما زلت مع الأسف تتاجر فيه..

يا …. ، ابنك يا ترى تغيب عن مدارسه الخاصة؟ هل اتصلت له من سجنك وطلبت منه يتغيب عن مدرسته في يوم محاكمة هذا وذاك؟ هل بات في خيمة من خيم الدوار؟ وهل باتت زوجتك وابنتك في خيم الدوار؟ ولماذا لا نشاهد ابنك على خط النار مع الأطفال الذين حرضتهم ونفختهم واوهمتهم انهم ثوار مناضلين وان لا خيار لهم البتة في هذه الدنيا الا الإطارات والمولوتوفات والمظاهرات والمواجهات، بعكس الخيارات التي يستمتع بها ابنك وابنتك؟ ولا اذكر انني شاهدت ابنك تجره شرطة الشغب في المنامة عندما كنت تخرج وتحرض الناس للحاق بك عندما ما زلت تتباهي بسذاجة معتقدا انك خط احمر وانك محمي من امريكا… ام ان ابنك وبناتك للخدر و”الزلابية” واولاد الآخرين للتحريض والمواجهة والغياب عن المدارس والضياع..

وأين ….الصحفي الذي  وقف في الدوار يقول لهم ويحرضهم ” انتم من تقرروا مصيركم.. وانتم تصنعون الانجاز ( تصوروا انه يوهمهم بإنجاز ان مساعد وزيرة الخارجية مكث في البحرين خمسة أيام عام 2011 هو انجاز مدو لهؤلاء ال ” الثوار” ) وبعدها ينزل من المنصة وينام في منزله العامر ( غالبية من حرضهم لن يسكنوا بمثله بعد 15 سنة على اقل تقدير) ويصبح الصبح يصحب أولاده لمدرسة سانت كرستوفر ومن حرضهم قاعدين في الدوار بدون مدارس مضربين.. وانضالاه

سؤال أخير، الم تصل أخبار امتناع الأطفال عن المدارس والتخريب في الشوارع والاملاك العامة انتفاضا لمحاكمة….، هل خرج وطلب منهم عدم العبث والتخريب في الأملاك العامة وتعطيل مصالح الآخرين وحث الأطفال على الذهاب لمدارسهم بدلا من الاعتصام في الشارع قرب منزله او الجلوس في بيوتهم بدون تعليم تضحية وفداء له… الجواب هو لم ولن يفعل..

 

Advertisements