المسئولية الأخلاقية للمعلم

أولا، قلت ” معلم” تجاوزا، لأن عددا كبيرا منهم لا يعدوا كونه موظف في وزارة التعليم ولا يرقى ليُطلق عليه معلم او أستاذ او مدرس…

ثانيا، أسقطت كلمة التربية من الاسم لأن التربية غائبة من اجندة “المعلم” فإذا كانت غائبة عن الأجندة يصبح تكرار الكلمة التي تعتبر قيمة، استفزازا للملقي والمتلقي…

ثالثا، ادون ملاحظاتي وتجاربي الشخصية فقط، لا أنوي ان أهين ” المعلم” لكن اذا كان تدوين المؤاخذات يعتبر في قاموسه إهانة وانتقاصا، فليكن وليعرف اذاً اني أهينه وانتقصه واقصد تقريعه واستخفاف شأنه…

أبدأ من تجربتي الشخصية، بعدها ادون بعض الحقائق لقصص يمر بعض الأطفال من أهلي تكشف حقيقة كيف وصل الوضع في بعض المعلمين في البلد، وكيف انزلق الضمير التربوي والأخلاقي لوضع يصعب تصحيحه

12 عاما قضيتها في مدارس البلد، تقاطعت سبلي مع مدرسين من مختلف الخلفيات الثقافية والدينية والمذهبية والجغرافية، كلهم، كل من “علمني”، بلا استثناء، هو من القاع في الانحطاط والدونية… لم يخلفوا في مخيلتي الا انحطاطهم.. “علمني” السلفي السعودي في الرابع الابتدائي الذي اذا قلت له بحماس ” أنا بقرأ” قال لي ضاحكا ” ماذا تقول ، انت بقرة؟؟!!”، وعلمني البحريني الشيعي الذي كان يميز بين الطلاب بحسب الوضع المادي للطالب، وعلمني الفلسطيني السني رياضيات في الثانوي الذي مهما كان تافه الأمر الذي يقترفه احد الزملاء قال لنا ” لا يليق بكم الا قم في ايران” وعلمني الفيزياء بحريني شيعي الذي رآني مرة أجبت عن كل أسئلة نهاية الفصل في الكتاب لمقرر القوة والحركة سألني باستخفاف ” هل انت من حل كل هذه الاسئلة ام غيرك أجابها عنك ” ولم ينتظر جوابي وذهب للطالب الأول على المدرسة الذي قال له أيضا انه أجاب عن الأسئلة لكنه لم يعامله كما عاملني..ربت على كتفه وقال له “ممتاز” .. وعلمني رياضة بحريني سني كان يهزأ بنا باستمرار وكان ينادينا ” تعال يا ولد خديجوا، واذهب يا ولد زنبوا”.. وعلمني بحريني شيعي معمم بلا شخصية وبلا حضور وبلا هيبة كان يضع الدرجات كيفما اتفق دونما يعرف اسم أي طالب أساسا… كان حاد المزاج بلا اخلاق تعامل معنا كجمهور في حسينية.. وعلمني بحريني شيعي معمم آخر لم أتذكر منه الا تسميع الآية التي حفظناها ولم نتعلم منه أي شيء.. لا دين ولا علم، مكفهر الوجه دائما، متعاليا متكبرا.. علمني مصري سني ضربني ب ” سوط” الذي يستخدم للخيول لأني حاولت ان اجيب عن سؤال نحوي وكان جوابي خاطئ بالرغم من كوني انا الوحيد الذي حاول أساسا بينما التزم كل الصف السكوت… وعلمني بحريني شيوعي لغة عربية صفعني على وجهي امام كل الطلاب وطردني من الصف لأنه سأل سؤال نحوي ولم يتقدم احد للإجابة فحاولت بنفسي وقلت له بعفوية الطفل الذي يريد ان يحاول ” مادام انه منصوب فلابد ان يكون مفعول به” وعندما قال لي خطأ ، قلت له إذاً هي اعرابها حال منصوب. فما كان منه الا انه صفعني وطردني… وعلمني بحريني شيعي علوم الذي بدل من أن يعلمنا يخرجنا لحديقة المدرسة ” لنجز” الرويد والبقل..

هذه حصيلة مختصرة لتجارب مع كل الأعراق والمذاهب فلا يتنطع لي أحد ويقول ان التعليم تردى بسبب التجنيس… التعليم متردي منذ زمن بعيد جدا لكن لم يسلط عليه الضوء… لنترك الأجانب ولنتوجه اليك أيها المعلم البحريني ، سني كنت ام شيعي، هل يا ترى انحدرت اخلاقك ومواهبك ونفسيتك تجاه التعليم بسبب التجنيس؟؟ كيف؟؟ ام ان هذه نفسيتك وهذه اخلاقك ومواهبك وقدراتك وضميرك وانت تستخدم التجنيس والحكومة ذريعة اليك لتمارس عربدتك في مصائر الأجيال..

قبل عدة شهور في مدرسة ابتدائية للبنين في منطقة العكر والنويدرات ضرب معلم بحريني شيعي احد الأطفال من اهلي، ضربا مبرحا اضطر اباه ان يأخذه الى مركز بتلكو لحماية الطفل ومركز الشرطة ليسجل شكوى والى الوزارة ولتصوير وتوثيق اثار الضرب على جسده والى المستشفى للمعاينة…السبب؟ كان مزاج المدرس غير جيد..ماذا حصل؟ لا المدرس اعتذر، ولا المدرسة اعتذرت ولا المدير اعتذر، ولا المدرس عُوقب ولا أي شيء من هذا القبيل…

سألت بعض الأطفال في ذات المدرسة عن الدروس واي مادة يحبونها افضل من الأخرى واجابوا انه يندر ان يكملوا 6 حصص في اليوم، والسبب؟ غياب المدرسين ( للعلم، بحرينين أبا عن جدا). قالوا انه لا بد ان تكون حصة فراغ يوميا لان المدرس غائب.. اما مدرس الدين فهو يأتي ويجلس على الطاولة ويمسك تلفونه ويطلب منهم ان يخرجوا الكتاب ويتحفظوا السورة، ويأتي في الحصة الثانية من الأسبوع يبدأ بتسميع الآية وبعدها يجلس على الطاولة ويقضي الوقت على تلفونه، يستنتج الاطفال ان هذا الوقت هو وقت ترفيه لهم… اما مدرس العلوم ( البحريني أيضا) فهو يجمع دفاتر الطلاب التي ” نسخوا فيها” ويعطيها لأحد الطلاب ” الشطار” في الصف ليصححهم نيابة عنه قائلا له ” حط نظر ونجمة لكل واحد” على مرأى ومسمع من الأطفال ومن ثم يجلس على مقعده… ومدرس الرياضيات غائب ” بعذر صحي” ليزور الأربعين والمشرف لذات العذر يطوف بيت الله في الحج..

المدرسون كثيري الشكوى والتذمر.. في كل محفل هم شاكون متذمرون..ولا يريدوا ان يواجهوا حقيقة ان أوضاعهم المالية والميزات التي يحصلون عليها هي اكثر بكثير جدا جدا مما يقدموه للأجيال… انتم تدخلون الصفوف مثل الروبوتات، او الببغاوات التي تكرر وتستنسخ ذات الأسطوانة وتذهبون..

مهلا مهلا ، قبل ان تتهمني بالتهجم والتعميم والاهانة، اجب على هذا السؤال ، كل عامل يُحكم عليه بما ينتجه ، بما تنتج يداه، اسال نفسك أيها ” المعلم” ماذا انتجت يداك” انظر حولك ماذا ترى؟ الاف الافراد الخائبة الضائعة التي لا تعرف ما المستقبل ولا تعرف ماذا تريد ولا تعرف ماذا يريد المستقبل منها..

مهلا أيضا، هلا أوقفت هذه الأسطوانة المشروخة ان الجهد متواصل في البيت والمدرسة وأن ما يقضيه في المدرسة اقل بكثير مما يقضيه في البيت

المدرسة لو كانت حقا مدرسة، والتعليم لو كان حقا تعليم، لو لساعة واحدة فقط، ولو كانت هناك حقا قيمة واثر في عقل ونفس الطالب  لأثر ذلك على باقي ساعات يومه..

فنلندا ، مثلا، تعتبر من ضمن اقل الدول في ساعات الدوام المدرسي، لكنها اكتسحت قوائم الأداء التعليمي حسب المعايير الدولية وسأطلعك على تفصيل التعليم في فنلندا لاحقا لترى بأم عينيك بالأرقام من يستحق كلمة معلم..

ملاحظة أخيرة واجبة، عندما كررت كلمة شيعي او سني او الجنسية ليس من منظور طائفي او لزرع الفتن والحساسيات لكن لأوصل رسالة وهي: لا فرق بين شيعي وسني وبحريني ومصري وغيرهم اذا انعدم الضمير وغابت روح المسئولية تجاه البلد واجيال الطلاب .. والرسالة الثانية هي انه آن الأوان لكل بحريني ، شيعي اوسني، ان يوقف التذرع بالتجنيس لتبرير اخطائه وكسر المرآة التي يجب ان يشاهد بها نفسه..خوفا مما تعكسه المرآة له.. والله من وراء القصد

Advertisements