ايهما تفضل، سمكة كبيرة مع الصغار او سمكة صغيرة مع الكبار

هل تريد ان تكون سمكة صغيرة في حوض اسماك كبير به اسماك كبيرة كثيرة او تفضل ان تكون سمكة كبيرة في حوض سمك صغير فيه اسماك صغار، قليلة او كثيرة؟

أيهما افضل بالنسبة لك، ان تكون ذكي في جامعة جيدة وفي صف دراسي اكثريته طلاب عاديين مع عدد منزور من الغير اعتياديين او تكون بنفس الذكاء في صف جامعة مرموقة جدا في صف دراسي مملوء من العباقرة وغير اعتياديين؟ ماذا لو كنت امام هذين الخيارين لأبنائك، هل ستدخله افضل مدرسة موجودة على الاطلاق في البلد الذي تقطنه مع طلاب ممتازين او تدخله في مدرسة ممتازة لكن اقل من تلك مع طلاب عاديين وقليل منهم المميز؟

ولو سألك أحدهم ايهما افضل لأبنائك، ان تدخلهم مدرسة يكون عدد الطلاب في الفصل 20 او 10، فأيهما تفضل؟ عدد كبير سيفضل العدد الأقل.

البعض يقول انه يفضل ان يكون مع العباقرة والأفضل على الاطلاق لاعتقاده انه اذا تواجد معهم ستُصقل مهاراته وتُشحذ همته ويتضاعف انتاجه بسبب تواجده مع من هم افضل منه اذ سيكونون بمثابة الدافع له للوصول لمستواهم.

والبعض الآخر على النقيض، يرى انه قد يتعب الفرد ويسبب له الإحباط لأنه بينما يحاول اللحاق بهم ، في الوقت الذي يكون هؤلاء العباقرة والمميزون أيضا في تطور مطرد، سيصل هو او ابناءه لنتيجة انه لن يلحق بهم ابدا، ويترتب على ذلك اثر نفسي بالغ.

أي الفريقين على صواب؟

للإجابة على هذا السؤال لابد من اجراء بحث على هذه العناوين واستقصاء اراء وتجربة من ساروا في كلا الدربين للوقوف على نتائج تلك التجربة. وهذا ما قام به “مالكولم غلادويل” في كتابه ” داود وجاليت”. وجد الكاتب ان طلاب افنوا جزء من عمرهم جهدا للحاق ببرنامج البكالوريوس في الرياضات في جامعة هارفرد وانضموا لصفوف المميزين لكنهم فشلوا في اكمال البرنامج احباطا وكمدا وحزنا وانتقلوا من الرياضيات للقانون. ويحكي أيضا عن من ادخلوا أبنائهم المدرسة الأولى في مقاطعتهم لان عدد الطلاب اقل في الفصل الواحد ظنا منهم انه كلما قل عدد الطلاب في الصف كلما كثر الانتباه والاهتمام من قبل المعلمين للطلاب ونتيجة بحث الكاتب اظهرت من خلال مقابلات مع المعلمين ان الفصل الذي يحوي 10 طلاب لا ينتج عنه أي إيجابية تذكر مقارنة بالفصل ذا ال20 طالب اطلاقا..

كما يروي الكاتب عن الطالبة المبدعة في مادة الكيمياء المتميزة على مستوى الولاية بالكامل امتلأت ثقة وحماس في جامعتها “العادية”الى ان اختارت افضل جامعات امريكا في الكيمياء وما ان وطأت  قدماها الفصل بعد ان انتقلت من جامعتها حتى تتفاجأ بفصل مملوء من عباقرة الكيمياء كلهم اختاروا الجامعة لنفس أسبابها، وظلت تعاني الامرين في الحصول على درجات تضاهي اقرانها في مادة الكيمياء العضوية..وفجأة بعد ان كانت ترى في نفسها عبقرية الكيمياء في سابق عهدها رأت نفسها في حوض اسماك قرش يلتهموها دونما رحمة وشفقة ..

الفكرة التي يريد الكاتب ان يوصلها في كتابه اوجزها فيما يلي:  انه ربما نعتقد اننا بإمكاناتنا الضعيفة مقارنة بإمكانات الكبار والعباقرة والاغنياء وأصحاب النفوذ لا يمكننا ان نحصل على قطعة من الكعكة التي يأكل منها هؤلاء فنندب حظنا..بينما يمكننا الشبع دونما الحاجة للوقوف على مائدة الكبار.. كان بإمكان هذه الفتاة ان تكون عالمة ومؤلفة كيمياء كبيرة لو انها اكتفت بجامعتها الاولى ال”عادية” بادئ الأمر لانها لم تكن  ثقتها وطموحها سيهتزان بمجرد تواجدها مع من يفوقوها كل يوم..كانت ستصل لهم او تفوقهم لو انها اكتفت باللعب في ملعبها هي حتى حين..

واننا لو اقتنعنا ان نكون سمكة كبيرة في حوص به سمك صغير، في فترة معينة، افضل بمرات من نكون في سمك صغير او متوسط في حوض مملوء من الكبار والقروش..

اما لماذا اختار الكاتب “داوود وجليات” عنوان لكتابه فلأن هناك قصة في الانجيل تحكي ان جليات كان شخص قوي البنية ” لا يلوي على شيء و داود فتى صغير لا قوة له الا مقلاع ( بالبحريني فلاتية)، بينما جليات مدجج بالسلاح، لكن داود تغلب على جليات لأنه رماه بحجر في جبهته. الدرس المتصل بفكرة الكاتب من القصة هو ان داود لو لعب مع جاليت بأدواته ( كما ذهبت الفتاة المميزة في الكيمياء لأفضل جامعة في الكيمياء) لما تمكن من الفوز عليه لكنه اكتفى بأدواته ( الجامعة العادية) وبإصرار وايمان وعزيمة وجد ثغرة لا تخطر على بال ورماه بحجر في جبهته فأرداه.

في الختام

سؤال للكاتب: على الأقل فتاة الكيمياء وطلاب الرياضيات في هارفرد سُمح لهم الدخول من الأساس ، بسبب امكانياتهم وخوض التجربة وتقييم انفسهم، ماذا عن الذين لا يسمح لهم الدخول من الأساس في حوض السمك ذا الأسماك الكبيرة بسبب مذهب او دين او عرق او لون او جهة او حزب، بغض النظر عن المؤهلات والملكات؟ وماذا عن الذين رضوا بأن يكونوا سمكة كبيرة في حوض سمك صغير لكن ” القيم” على الحوض لا يرمي الا اكل للسمك الصغير والسمك الكبير عف اللسان واليد والبطن لا يريد ان يعيش من اكل السمك الصغير ولا يريد ان يفتك بالسمك الصغير، فمن اين يأكلون وكيف يعيشون. لا الأسماك الكبيرة تقبلهم ولا القيمون على حوض السمك الصغير يسمحون لهم بالبقاء؟ كلا الخيارين مر وانت يا أستاذ ” مالكولم” لم تفسر غير هذين الخيارين!

 

Advertisements