حاذر من شعاراتك ففي الشعار نجاتك وقد يكون هلاكك

الشعار اختزال. المؤسسة في أي حقل، حكومية ام غير حكومية، تختزل رسالتها أو أهدافها أو رؤيتها في عبارات وجيزة. هذه العبارات تحتوي على اشارات الى قيمها ومنهجيتها  واسلوب عملها.

وللأفراد كذلك شعار أو شعارات. فهذا شعاره ” لا يأس مع الحياة” وذاك شعاره ” اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”. فالشعار قد يكون عبارة إنية وقد يكون حديث نبوي او آية قرآنية او حكمة لفيلسوف ما او بيت من الشعر، الخ. وللشخصيات العظيمة المقدسة شعارتهم أيضا. ” هيهات منا الذلة” أصبح  شعارا أمميا تعيشه الوف من الاشخاص التواقين للحرية وان اختلفت مفرداته المحفورة في اذهانهم.

ولكن ما الذي يجعل من أي عبارة شعار؟ في اوساط المجاميع كالطوائف والاحزاب والمؤسسات تكون عبارة ما شعارا اذا توافرت فيه العوامل التالية:

  • التكرار: قد يكون هناك في اوساط ما شعارا حاضرا دائما يُستدعى في كل مناسبة

  • عالمية الفكرة او ارتباطها ببيئتهم وظروفهم. العالمية تعني هنا انتشارها في ” العالم” المحدود للطائفة او القبيلة او الحزب وليس للعالم ككل. أي أن يكون الشعار ناتج عن تجربة حدثت لمجتمع بشكل كلي

  • تقبل الفكرة: حتى يتم تكراره وتقبله ومادام مرتبطا بهم لا بد ان يكونوا قد تقبلت المجاميع بصورتها الكلية فكرته ومغزاه وروحه

  • الايمان بصدقيته وجدوائيته وغائيته

هذا على المستوى النظري. أما على المستوى الواقعي، يلاحظ المراقب المتفحص ان سيرورة عدد ضخم من شعارات يرددها مجاميع مختلفة في اوساطنا، وفي اوساط أخرى في دول مجاورة، لم تتوفر فيها العوامل السابقة ولذلك ماتت هذه الشعارات في نفوس البعض والبعض الآخر وان افتقد لهذه العوامل الا انه مازال حاضرا بفعل عوامل أخرى طارئة .

بعض من الشعارات تزول بزوال القوة الخارجية ( خارجية بوصفها خارجة عن الارادة الداخلية للأفراد المكونة للمجاميع اما بتهديدات مادية مباشرة او غير مادية مباشرة وغير مباشرة)  التي فرضته  وبعضها يدوم فترة طويلة من الزمن رهنا ببقاء المؤثر. وحدها الشعارات التي تحاكي الفطرة السليمة التي فطر الله خلقه عليها وتحاكي منطق الانسان السوي والمتحركة في فضاء الخير المطلق.

شعارات الموت – والشيطان الأكبر

الموت لأمريكا وامريكا الشيطان الأكبر هاذان شعاران انطلقا منذ الثورة الايرانية في1979 كردة فعل عاطفية لمساعدة أمركا لعدو الثورة الايرانية وسببها: الشاه محمد رضا بهلوي. سرى هذا الشعار الى ما وراء الحدود الايرانية وظل يكرره المتظاهرون العرب والمسلمون كلما حنقوا على الادارة الامريكية عند مقتل اي فلسطيني برصاص الاسرائيليين.

هل هناك اشكال في هذين الشعارين؟

بالطبع. الاشكال الأول انه من غير اللائق ان تدعوا على امة كبيرة بحجم امريكا بالموت وانك عندما تكرر الموت لأمريكا انما كأنك تقول لكل الأمريكيين انني أتمنى لو تموتوا كلكم أجمعين وان لا تبقي عليكم الارض من احد وعندها تموت امتكم قاطبة. وامريكا لو كان دولة فاشلة لما تمنى احد موتها فكيف لو كانت اقوى دولة في العالم في كل المجالات وهي التي تزودنا بالعلم والمعرفة وكلما اردنا ان نتعلم ونبحث قصدنا امريكا واذا ارنا العلاج توجهنا لأمريكا واذا اردنا السلاح ذهبنا لأمريكان. بل وحتى الايرانيين انفسهم لم يجدوا غير الامريكيين انفيهم في حرب العراقية الايرانية لشراء الاسلحة في عملية أجاكس المشهورة.

اما شعار شيطنة امريكا فلا اكثر من سطحيته وعاطفيته وعدم صدقيته او ارتباطه بواقع الناس انه ظل محصورا في فترة وجيزة جد في الثمانينات واخذ البعض “يؤله” والبعض الآخر يتبرأ منه. ذلك كله مرده الى ان هذين الشعارين نزلوا على عامة الناس بشكل فوقي ولم يكن نتيجة تجربة جماعية او مرحلة تاريخية تراتبية تمهيدية يدرك فيها الناس ، على مهل، حتى يدركوا بأنفسهم، حقيقة وجدوائية هذه الشعارات. هذان الشعاران بالذات تسببوا في نوع من انفصام للشخصية لمردديه. فبينما يتم تصوير امريكا او اي بلد آخر لهم بأنها بلد شيطاني لا خير فيها استكبارية اجرامية ذات ديمقراطية شكلية وانها ” نمر من ورق”، يرون بوما بعد يوم ان بلدانهم تعاني ايضا من ذات العيوب والاتهامات وان الجوقة الحاكمة لأمريكان المسببة لكل هذا الكره تتقاطع مع لآخرين في البلاد المصدرة لهذه  النوعية من الشعارات، في لهاثها للسطلة والبقاء في مراكز القوى.

الاسلام هو الحل- البرلمان هو الحل

بجهل بسيط احيانا ومركب احيانا أخرى يلجأ البعض الى محاولة تبسيط مشكلاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بتردد شعار ما بشكل دوري لفترة طويلة جدا حتى تتشبع منه نفوسهم ونفسياتهم ويؤمنوا، بجهل أيضا، ان هذا الشعار هو خلاصهم واذا ما تحقق فإن كل مشاكلهم قد حلت بشكل تلقائي. أهم هذه الشعارات التخديرية هو شعار طالما تكرر في بلدنا البحرين ” البرلمان هو الحل”. تضحيات كبيرة من اطراف شتى بذلت نتيجة شحن عاطفي لهذا الشعار حتى اكتشف الجميع بعد عقدين من الزمن لا أكثر انه واقعا لم يكن الحل ولك يكن غيابه في حد ذاته هو المشكلة. بعد عشرات الضحايا الذين قضوا قبل عامين بسبب هذا الشعار اكتشف بعضهم انه ليس الشعار المناسب او المرجو بل الشعار يجب يتغير فتغير ودفع ومازال يدفع مرددوه الكثير والكثير من الاثمان ليكتشفوا ربما بعد عقدين من الان او اقل انه ليس هذا اوان الشعار وهكذا دواليك.

في نطاق اوسع، يكرر منظري الشيعة والسنة بكل تفرعاتهم ان ” الاسلام هو الحل” . شعار يدغدغ المشاعر لكنه لا يحرك شيئا في الواقع لا عجزا في الاسلام ولكن ضعفا وضعة المسلمين. المشكل في هذا الشعار انه مجرد والمجردات تحتاج الى تخصيص والتخصيص يحتاج لتأهيل اجتماعي اقتصادي سياسي تجريبي تاريخي.

قد يكون هذا الشعار، في تقديري، من أكثر الشعارات التي يرددها الشيعة والسنة بؤسا وجهلا لأن المحاولات التي حصلت لوضع اللبنات الأولى لهذا المشروع لم تخرج من كونها تنظيرية أكثر منها واقعية تطبيقية. ولذلك يظل المسلمون يحملون بين جوانحهم هذه الفكرة الحالمة لكنهم يهاجروا بعيدا عن كابوس اي تجربة تريد ” تطبيق الاسلام” بتجربته الشيعية او السنية. ( وفي هذا تفصيل اتطرق اليه في مقال مستقبلي).      

شعار ” I am somebody””

الشعار ليتسلل الى مشاعر الناس وايمانهم وليحفزهم على العطاء والتصديق والانطلاق ليس بالضرورة يكون مرتبطا او قائما على فكرة معقدة او عقائدية او مذهبية او دينية. حتى أبسط الكلمات واقصر الجمل المرتجلة قد يكون لها أثر كبير على حياة الناس وتظل توقد لهم شرارة الانطلاق نحو آفاق اوسع في كل حين.

جسي جاكسون، أمريكي من أصول أفريقية، في جولاته الانتخابية لرئاسة أمريكا توجه الى المجمعات السكنية الفقيرة المعدمة ( ghetto) التي يقطنها الامريكان من اصول افريقية يقود شبابهم في مسيرة ويجعلهم يرددوا شعار واحد لا غير ( Iam somebody) محاولا بهذا الشعار ان يرفعهم الى مستوى الايمان والتصديق أنهم ليسوا نكرات وليسوا تافهين مهمشين على رصيف الذل، يريد بهذا الشعار ان يرفعهم من الشعور بالمظلومية الى الانطلاق بشجاعة واطلاق صوتهم عاليا جدا انهم ليسوا نكرات وانهم حرف و رقم صحيح غير معتل وغير مكسور على لوحة الانسانية.

جسي جاكسون لم يجعلهم يرددوا شعار ” الموت للأمريكيين البيض” لأن ذلك لن يفيد الأمريكيين الافارقة في شيء البتة، ما يفيدهم هو ما يحييهم من داخلهم لا موت عدوهم. بموت عدوك قد تستمر في العيش بعده مهمشا حاقدا ضعيفا بائسا تحمل بين جوانحك شعورك بالمظلومية والضعف أبدا ما بقيت. جسي جاكسون بشعاره البسيط في كلماته العميق في مدلولاته لامس الفلسفة السقراطية التي تدعو الى البدء من الذات للتغيير بدلا من الشجاعة الحمقاء في تغيير العالم دون تغيير النفس وتجهيزها.

الجانب الاخر المضيء في هكرا شعارات هي انها ليست سلبية فلا تحمل فكرة تسقيطية للآخر او تمنيا للوت والهلاك او ازدراء او تحقير للآخر او المختلف. ولهذا الايجابية لا يستطيع حتى الاخر المختلف الذي قد يصنف في خانة العدو، الا ان يميل ولو هونا ما، الى هذا الشعار وتأثيره فيخفف من حدة عداوته حينا او يتلطف حينا آخر. (راجع تاريخ مارتن لوثر كنغ وكيف استطاع ان يستميل الامريكيين البيض الذين تأثروا بإيجابية شعاراته التحررية)

ما هو شعارك؟

أغلبنا نقضي في هذه الدنيا وفقا لشعار نعيش وفقا لمقتضياته دونما نشعر، في العقل الباطن وبعضنا يقضي ايامه وفقا لشعارات بالية لم تكن وليدة فكره وتجاربه بل مستقاة من أشخاص يحبهم ويحترمهم ويقدسهم فيردد شعاراتهم دونما وعي وتجربة.

بعضنا يقضي أيامه وفقا لشعارات ناتجة من تجاربه ولكنها مقتصرة فقط على التجارب السلبية. بعض الشعارات ديناميكية تحتاج الى اعادة صياغة وبعضها ثابت لا تقبل للمساومة والتغيير اطلاقا. لتكييف المتحرك والاطمئنان وترسيخ الثابت نحتاج الى ثقافة وتدبر وتمعن وتفكير.

نحتاج الى شعارات ايجابية مفصلة على قياس رغباتنا وقدراتنا ومواهبنا واحلامنا وثقافتنا وبيئتنا وقيمها العالمية. نحتاج الى ان تكون الشعارات نابعة من ذواتنا لا من ذوات سلطة دينية مذهبية او حاكمة. نحتاج ان نبني شعاراتنا لتمكننا من تسلق الجبال والسير في اوعر الطرق بتحدق وقوة وسلام. ينبغي ان نحذف من مخيلتنا وضمائرنا اية شعارات سلبية محبطة منتقمة كارهة حاقدة تجعل منا اشخاص منفصمي شخصية، مذبذبين حيارى تافهين.

 

Advertisements