“وهزي اليكِ بجذع النخلة”.. قانون الاستحقاق.

الحياة صممت لتعطي على قاعدة الاستحقاق.. لا على قاعدة الاحتياجات .. أو على قاعدة المكتسبات المجتمعية والدينية والعرقية والنًسبية ( الانساب والعلاقات الاسرية). 

الله.. لا يستجيب للحاجة بل يستجيب للاستحقاق.  

لهذا المبدأ فطن حتى المتسولون فهناك تمايز بين متسول وآخر.  

متسول معدم يتصور فقط كونه معدما يجب على البشر ان يدعموه وينعموا عليه. فهو يريد المال دون استحقاق لشيء.. يتصور ان فقره وعوزه استحقاق له على المجتمع.

بينما متسول آخر يحاول ان يغطي تسوله بنوع من الاستحقاق ولو بشكل قليل جدا فيعزف على آلة موسيقية في محطات القطار او يُقدم على بيع أشياء زهيدة عند اشارات المرور بغية أن يُشعرك ، ويُشعر نفسه ربما، انك تعطيه المال لا تعطفا بل استحقاقا.

لا يوجد استثناء من هذه القاعدة، تنسحب على علاقة العبد بربه، والوالدين بأولادهم والاخوان ببعضهم والزوجين ببعضهم والاصدقاء فيما بينهم والقائد والمقود والموظف والمسئول، الخ.

أن أكون عبدا لله أعبده لأنه يستحق العبادة، وقد نبهنا لذلك أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ( إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك). والأهلية للربوبية استحقاق. واذا أردت أن اطلب من الله يجب ان يكون مستحقا للعطاء.

أن أكون  أبا يجب ان استحق الاحترام ولا أطلبه ولا أفترض ان أبنائي يجب ان يقدسوني ويُجلوني ويُعلون من مقامي وانا ظالما لهم مقصرا في حبي وعاطفتي لهم، غير آبه بمستقبلهم وبحاضرهم ، غير محترم لشخصيتهم وكرامتهم، أقلل من احترامهم أمام الأخرين، أضربهم، مقترا عليهم، لا أكيل وزنا لخططهم المستقبلية، لمواهبهم، لهواياتهم، لأحلامهم، لآلامهم، الخ. ولأكون أبا مستحقا لكل ذلك يتوجب علي أن أعمل عكس كل ما ذُكر!.

أن أكون زوج يجب ان استحق الحب والاحترام من زوجتي ولا أطلبه أو أفرضه أو أفترض و أُسلم باحترامها وطاعتها وحبها فقط لكوني الزوج او الذكر فأتجاهل رغباتها وآمالها وطباعها وتركيبتها واحلامها وطموحها واوجاعها وتوقعاتها واختلافاتها، الخ، فقط لكوني املك القوامة على المنزل. فأهجرها او أهينها واحتقر مشاعرها واتجاهل آلامها ولا أستمع اليها وفي المقابل اطلب الدفء والحب والرومانسية والحنان والاعتناء والخدمة والاحترام والتقديس لأني استحق ذلك وفقا لعقد أمضيته ولآية أسأت فهمها!!. لأستحق كل هذا يجب ان أعمل عكس كل ذلك.

أن أكون معمما او خطيبا او منبريا يجب ان استحق احترام الناس ولقب شيخ ولا أفرضه أو أفترضه بترغيب وترهيب ولا بناء على  حديث هنا وهناك او استغلالا لطبيعة وميول مجتمعية تجاه الدين وعلمائه، ولا أتوقع كوني معمما جالسا على المنبر أني استحق احترام المستمعين حتى ولو نطقت بما ليس لي به علم او تفوهت بما لا أملك دليله او افتقدت لأدني مهارات التواصل مع الجمهور فرغم كل ذلك سيحبوني ويحترموني لعمامتي ولموقعي على المنبر.  لأستحق لقب رجل دين وعالم دين يجب ان أكون أولا عالما بكيفية توصيل هذا الدين للجمهور وان أتعامل مع الجماهير كعقول واعية لا كقطعان ماشية.

أن أكون موظفا يجب  أن استحق الترقيات والتقدير ليس لأن أشخاص آخرون تم تقديرهم أو ترقيتهم. أستحقها بعملي وتميزي واستعدادي للقيام بأكثر مما يمليه علي راتبي.

الله سبحانه وتعالى يتعامل بهذا القانون مع أنبياءه وأوصيائه وأحبائه.   ففي قصة السيدة مريم عليها السلام، يتساءل المر كيف الله برحمته الواسعة ان يطلب من امرأة في حال مخاض وفي حال ذعر وخوف لكونها حامل وهي عذراء، ان يأمرها ان تهز بجذع النخلة ليتساقط عليها الرطب بدلا من أن يأمر الرياح بكل بساطة ان تسقطها عليها. خصوصا ان الله كان ينزل عليها الفاكهة من الجنة وهي تتعبد لله ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا). إنه لأمر عجيب ان يساعدها في عبادتها ولا يساعدها في وقت مخاضها. كانت يجب ان تهز النخلة لتستحق الرطب وما أنزل عليها ” الرزق” في المحراب الا لأنها استحقت ذلك بالعبادة.  فالرسالة ، في نظري، التي يريد الله ان يوصلها لنا هو الاستحقاق. ( وليس الرسالة هي “في كل حركة بركة” كما قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره ” الأمثل”!!).

ينسحب قانون الاستحقاق حتى لعلاقة الحب لماذا أحب الامام الحسين؟ لتحب الامام الحسين عليه السلام سببين: ولدت على فطرتك في أسرتك وكبرت على حبه متأثرا بالجو العام أو تحبه لأنك تحترمه لأنه يستحق الاحترام والحب. تبكي مصيبته لأن البكاء عليه يدخلك الجنة أم تبكيه لأن مصيبته وشجاعته ، موقفه وحالته،  مشاعره ووجدانه،  معاناته وتضحياته، آلامه وتطلعاته، عنفوانه ويقينه، تستحق البكاء… عندما تبكيه ليقينك باستحقاقه يصبح بكائك بكاء فخر.. واعتزاز.. واكبار لا بكاء تعاطف وحسرة.

الله لا يجامل أحدا…

Advertisements