ثقافة المصاعد

في المصاعد، وتسمى في المفردة الدارجة ” اللفتات” ،ترى أنماطا من السلوكيات وتسمع أنواعا من الأحاديث مثيرة للاهتمام حقا. مثار الاهتمام هو ان من هذه السلوكيات والاحاديث ما هو مختلف باختلاف الثقافة والدولة ومنها ما هو مشترك بين الأفراد بغض النظر عن اختلافاتهم..

لا أجافي الحقيقة لوقلت أنني، كحال كل من يعمل في مباني متعددة الطوابق، استخدم المصاعد عشرات المرات أسبوعيا في بلدي وفي بلدان عدة اسافر اليها شهريا.. في هذا المرات سجلت ملاحظاتي، ودونتها حتى زعمت انني كونت تجربة لا بأس بها تسمح لي أن أشارك بها الآخرين.. من هذه التجربة كونت ” سياسة” اتبعها في المصاعد أينما وجدت..

ليس من الترف الفكري التفكير في سياسة لك تتبعها في الأماكن العامة، والمصاعد احد هذه الأماكن العامة. في الأماكن العامة يكون الكثير من صفاتك الشخصية في وضع اختبار ومعروضة للآخر، باختيارك ام رغما عنك، بفعل لغة وايماءات جسدك فضلا عن كلماتك.

في دول الخليج، مثلا، ترى المرأة الخليجية تدخل المصعد معك معتقدة انها في قصر ابيها، تأمرك بضغط زر الطابق الذي تريد بدون أي اتيكيت من قبيل قول كلمة لو سمحت قبلها او شكرا بعدها..

المرأة الخليجية، أيضا، سواء كانت محجبة او غير محجبة، تتصنع قوة الشخصية وعدم المبالاة والاهتمام وان كل ما في محيطها في المصعد عبارة عن رجال ينتظرون الفرصة للانقضاض على شرفها فلا بد ان تريهم وجها مكفهرا مغضبا شرسا..

المرأة الخليجية تعتقد انه من قوة الشخصية ومقتضيات الأنوثة وجاذبيتها ان اذا دخل رجل بعدها المصعد والقى تحية الإسلام ان لا ترد او ترد ب بحرف السين فقط لأن لطفها وانوثتها وشرفها لا يسمح بغير ذلك..  لذلك انا لا اتعاطى لا تحية الإسلام او الكفار مع هؤلاء النسوة، ولا اقف بجوار أزرار الطوابق في المصاعد حتى لا اضطر ان اذكرها بآداب ” شكرا” و”لو سمحت” عندما تطلب ذلك مني برعونة.. قررت عدم التعاطي معهم في الأماكن العامة … والخاصة كذلك….

الرجل الخليجي، في المصاعد انتقائي في اخلاقه، اذا دخل المصعد خلفه رجل آسيوي فقير، او من فئة معينة او طبقة معينة وألقى تحية الإسلام اما يتجاهل ولا يرد أو يرد باستخفاف واضح او يرد ب(س) فقط.. اما اذا دخل رجل مسئول او مشهور فالأمر مختلف جدا..

الرجال عموما، يعتقدون ان الآخرين في المصاعد يأبهون حقا بآرائهم في الطقس وتقلباته وقسوته وقسوة رجال المرور في المخالفات..

بعض من هؤلاء الرجال يحاول ان يفتح حديث معك بأي طريقة ولا يجد لذلك سبيلا الا الطقس لأنه لا يعرف أي شيء مشترك بينك وبينه سوى الطقس والهواء الذي تتنفساه معا. ربما هو يحاول ان يكون رجلا لطيفا فحسب.. لا يريد ان يكون بين الرجال صمت، ولو لدقيقة او اقل.. ربما يتكلم بأي شيء ليرتاح من شيء داخله.. بعض الرجال الصمت يجعلهم في مواجهة مباشرة مع اوجاعهم.. فيتكلموا ويثرثروا ليهربوا ويرتاحوا..اكتشفت ان خير تواصل ايجابي في هذه الحالات هو كلمتين فقط مصحوبا بابتسامة أوسع قليلا من ابتسامة الموناليزا: “صحيح كلامك والله”

الرجال المسلمون يخلقون ضوضاء ويضيعون وقتك ليسمحوا لمن يقف على اليمين ان يخرج او يدخل أولا.. لا أؤمن بأي حديث نبوي يقول ان أفضلية تعطى لأي شخص فقط لموقعه الجغرافي..ولذلك لا اتجاوب ولا اتعاطى مع هذه الضوضاء ولا أعيرها اهتمام.. انا اول الخارجين والداخلين الى المصعد فور فتح الباب..

بعض الرجال والنساء لا  يحلوا لهم الاستغفار او التسبيح الا في المصاعد وبصوت مسموع وعال..تقف صامتا فيباغتك و ” يخرعك” شخص بطريقة منفرة ” استغفر الله” نعم لملء الوقت بالاستغفار والتسبيح لكن بصمت .. اذا رفعت صوتك فانت في نظري مراء فقط لا غير..

في مصر، هناك الكثير من البطالات المقنعة.. ترى مبنى يوظف شخص للمصاعد.. يقضي يومه في المصعد . مهامه ان يجعل المصعد  متوفر ومفتوح في الوقت الذي يريده ” الباشا”.. صدق الله تعالى حين قال في محكم كتابه ” ان الانسان ليطغى”..

في الأردن ولبنان وتركيا، المرأة المحجبة تتخلى عن شرط عدم لمس الأجنبي في المصاعد.. لتحجز موقعها في المصعد لا يهمها أكان العدد 5 او عشرة.. أساسا عندما يفتح باب المصعد في طابقها وهي تريد الدخول لا ترفع عينها لترى عدد الموجودين داخل المصعد.. تحجز موقعها وان لزم الامر ان تركن حقيبة يدها في خاصرتك او بطنك..

عدد كبير جدا من الرجال والنساء ليس عندهم ثقة بنفسهم .. ترى ذلك جليا في المصاعد.. أي رجل او امرأة يسارع في فتح تلفونه والعبث به فور دخوله المصعد اما يكون عديم الثقة بالنفس.. يريد أن يهرب من اللحظة بالتظاهر بالانشغال في شيء مهم ومسل، او يريد ان يوصل رسالة لمن هم موجودين لا اريد التحدث معكم فلا تحادثوني.. بعضهم تراه بشكل واضح مجرد يحرك اصبعه على الشاشة يمنة ويسارا دون غاية.. ربما يقرأ رسالة قرأها قبلا.

 الوقوف في الانتظار بصمت امام المصاعد في الاماكن العامة يتطلب ثقة بالنفس كبيرة جدا..خصوصا في حيز جغرافي صغير..

 نخلص للوصايا التالية:

ايتها المرأة الخليجية تعلمي قول لو سمحت وشكرا ولا تعتقدي انك مركز الاهتمام وشهوة الرجال في الكون…

أيها الرجال الخليجيون تحية الإسلام ردها ينبغي ان يكون بنفس الطريقة والترحاب للغني والفقير للكبير والصغير للمسلم والكافر للشيعي والسني للآسيوي والغربي..

أيها الرجال لا تزعج الآخرين بحديثك عن الطقس، الكل منزعج من الطقس.. ومنك

أيها الرجال والنساء، استغفارك وتسبيحك في قلبك لا الى اذني.. هل تعلم أني احتقر ريائك!

أيها الرجال والنساء، تحلوا بالثقة بالنفس وتعلموا ثقافة الصمت بثقة دون اللجوء الى هواتفكم كالأطفال يلهون بدماهم..

 

Advertisements