مشروعية الخُمس المغيبة

  • أسئلة قادت الى البحث:

  • هل الخمس واجب قطعي حقا على كل شخص شيعي؟

  • لماذا يميز السادة عن العوام في وجوبية مساعدتهم وهل يعقل ان يتم التمايز بينهم على اساس النسب في حين ان يقول النبي صلى الله عليه وآله لا فرق بين عربي وأعجمي الا بالتقوى؟

  • ولو سلمنا بصحة واحقية السادة في استلام النصف من الخمس (10%) فما هي موارد صرف النصف الآخر من الخمس؟

  • من الذي يتحقق اين يصرف الفقيه هذه الأموال؟ هل هناك آلية للتدقيق على موارد ومواقع صرف هذه الأموال من ناحية التخطيط الاستراتيجي لها؟

  • الا يحق للأشخاص الدافعين للخمس، وفي حين ان الامام المعصوم غائب، ان يسألوا الفقهاء اين وكيف ومتى لماذا واحقية صرف هذه الأموال وتوجيهها؟ ومادامت الحوزات بكل عمائمها قائمة وتتنفس من اموال الخمس اليس من حق هؤلاء الدافعين ان تكون لهم كلمة او لا اقل اطلاع على مشاريع أموال الخمس؟

  • ماهي أسباب تشريع الخمس ومن له الحق في استلامه وصرفه؟

  • منذ آلاف السنين والشيعة يدفعوا الخمس لفقهائهم، وصلت المبالغ دون شك لمئات الملايين في كل اصقاع الارض، فهل اسهمت أمال الخمس في تطوير واقع الشيعة العالمي والاقليمي بل حتى المحلي على الصعيد السياسي والاعلامي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي والمعرفي والثقافي؟ اذا كانت الاجابة سالبة فهل من المعقول ان يستمر هدر هذه الاموال؟ وعلى ماذا تهدر؟

  • الامام المعصوم امام الكل، فهل حق الامام ( نصف الخمس) يصرف على رخاء كل الشيعة؟ أم يقتصر فقط على انتاج العمائم تحت مسمى ” رعاية طلاب العلوم الدينية”.

  • هل يعقل ان يدفع الشيعي مبلغا يعادل 10% من أمواله التي يدخرها له ولعيالها لليوم الاسود او لتعليم ابنائه وغيرها من الحاجات فقط للصرف على انتاج عمامة هنا او هناك أو على شخص قرر ان يترك عمله ويدرس في الحوزة دونما طلب من احد ليتكفل هذا الشيعي الذي يعمل ويدخر بالمساهمة في الصرف عليه ( وعلي بيوته في بعض الحالات في حال قرر هذا الطالب للعلوم الدينية ان يطبق شرع الله بحذافيره بأن يعدد زوجاته ورعا وزهدا في دنياه الفانية)؟

أبدأ الجزء الأول من بحثي في إجابة هذا السؤال: هل الخمس واجب قطعي حقا على كل شخص شيعي؟

الاجابة: الخمس ليس واجبا قطعيا أبدا بل أن هناك العشرات من الاحاديث الصحيحة ( بشهادة الفقهاء كما سيتبين بعد قليل) ان الخمس ( كل الخمس) في غياب الامام المعصوم ساقطا عن الشيعة وهو واجب دفعه فقط للإمام المعصوم. فيما يلي أسرد هذه الأدلة بمصادرها لمن يريد التأكد والاستزادة والاطمئنان:

  • نبدأ بالشيخ المفيد اذ يقول في “المقنعة”: “اختلف اصحابنا في الخمس عند الغيبة فمنهم من اسقطه لغيبة الامام محتجا بأحاديث الترخص فيه ومنهم من أوجب كنزه … لحين خروج الامام” . أفهم من الشيخ المفيد انه يجيب بكل وضوح أن الفقهاء في زمنه وما قبله لم يتفقوا ان الخمس قطعي الوجوب والا لما اختلفوا فيه كما قال. نستفيد ايضا من كلمة الشيخ المفيد ان هناك احاديث اعتمدعليها الفقهاء ( الذين سماهم اصحابنا) ترخص عدم دفع الخمس، وهذا لا يحتاج الى تأويل وتحليل وفهم ودراسة في الحوزات لفهم هذه الجملة من الشيخ.

  • شيخ الطائفة الطوسي في كتاب النهاية صفحة 200 : “فأما في حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها….”

  • المحقق الأردبيلي في كتاب مجمع الفائدة والبرهان صفحة 993: “اعلم ان عموم الاخبار تدل على السقوط بالكلية في الغيبة والحضور….” ثم يقول في ذات المقام ” وان لم نقدر على الجزم بالوجوب …..”

  • الشيخ يوسف البحراني في كتاب الحدائق الجزء 12ص 447 ينقل حديث عن الامام المهدي:” اما الخمس فقد أبيح لشيعتنا الى أن يظهر أمرنا لتطييب ولادتهم”. لا اعتقد ان الشيخ يوسف البحراني سينقل حديث لو كان غير صحيح اذا كان يستدل به في سقوط دفع حق الامام عن مقلديه!.

  • العلامة الحلي في كتاب منتهى الطالب الجزء الاول صفحة 555: “واختلف علماؤنا في الخمس في حال غيبة الامام فأسقط قوما عملا بالأحاديث الدالة على ترخيصهم لشيعتهم فيه ومنهم من أوجب دفنه( لحين خروج الامام)”

  • العلامة ابن ادريس الحلي في كتاب السرائر الجزء الاول صفحة 500: “الخمس حق واجب لغائب لم يرسم قبل غيبته رسما يجب الانتهاء اليه فوجب حفظه عليه الى وقت ايابه او التمكن من ايصاله اليه ( اي الامام المهدي)….”

  • محمد باقر السبزواري في كتاب ذخيرة المعاد صفحة 292 : “ان اخبار الاباحة ( الخمس) اصح واصرح فلا يسوغ العدول عنها بالأخبار المذكورة … وبالجملة فان القول بإباحة الخمس في زمان الغيبة لا يخلو من قوة “.

هنا لا بد من الالتفات الى نقطتين مهمتين:

الأولى: لماذا كل من قال بإباحة الخمس هم من الفقهاء الأوائل وليس المتأخرين؟ الجواب في الأجزاء القادمة من المقال.

الثانية: ما ورد أعلاه هو بعض قليل من ادلة اباحة الخمس بالمطلق. هناك فقهاء يسقطوا حق الامام ويقروا حق السادة وهنا انا اقول اذا اسقطت حجية حق الامام اليس منطقيا ايضا ان تسقط حق السادة لأن التشريع واحد.

قبل أن أنقل أقوال المشايخ يجب ان ألفت انتباه القارئ واعيد التعريف: الخمس هو 20% بالمئة من المؤنة او الغنيمة ، الخ, يقسم جزء منه حق الامام والجزء الاخر للسادة من سلالة الرسول صلى الله عليه وآله. فعندما نتحدث عن الخمس نتحدث عن المفهوم ككل. سبب هذا التنبيه اننا سنلاحظ ان هناك أقوال تسقط حق الامام وتبقي الآخر بطريقة دبلوماسية فيها خط رجعة. جديرا بالذكر أيضا أن أقوال من يقولون بفريضة الخمس يحتجون بدليل الآية: اعلموا انما غنمتم من شي فان لله خمسه…

وعليه يستنتج القارئ انه اذا كان الخمس فريضة تسلم لغير المعصوم فلابد ان يكون فريضة في كله، ولا يبعض فيكون حق الامام ساقط وحق السادة واقع. اعتقد انها نتيجة منطقية. فأما ان يكون فريضة بكله او لا يكن . ولكن هل هناك من يقول بفريضة الخمس المبتورة، اي اسقاط حق الامام؟

 أقول نعم ومثال ذلك ما قاله  الطوسي، الملقب بشيخ الطائفة، في كتاب النهاية صفحة 200: “اما في حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها…”

وما قاله الشيخ يوسف البحراني في كتابة الحدائق الجزء 12 صفحة 447 ” واما في حال الغيبة عجل الله انقضاءها فيجب صرف حصة الاصناف اليهم واما حصة الامام فالظاهر تحليله للتوقيع المتقدم عن صاحب الزمان روحي له الفداء في قوله واما الخمس فقد أبيح لشيعتنا الى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم”

هنا لا بد أن نتوقف ونتمعن في ما قاله الشيخ يوسف البحراني وهو من الفقهاء المشهورين. أول نقطة أنه طالما نقل الشيخ حديث واستدل به في فتواه بظاهر التحليل فلا بد ان يكون الحديث صحيح بناءا على منهجيته.

ثانيا اذا كان الحديث صحيح ومعتبر بالنسبة له والحديث يقول ان الامام عليه السلام قد اباح للشيعة التصرف بالخمس/ وكما قلت في المقدمة ان الخمس يعني الجزأين، فلماذا يقول ” يجب ان تصرف حصة الاصناف” ولم ويسقط الكل؟ الم يكن بمقدور الامام عليه السلام ان يفصل بين الاثنين مثلا؟

ثالثا: مادام أن الامام عليه السلام اسقط الأخماس بمقتضى الحديث الذي صححه الشيخ يوسف، ماذا نسمي استلام اموال الخمس من قبل المعممين من مقلدي الشيخ يوسف الذين دفعوا حق الامام  طول هذه السنين وما زالوا عن غير دراية؟ الا يسمى استغفال، لا أقل منه سرقة بغلاف الدين؟ هل تم التنبيه من المعممين الى “العوام” على هذه الحقيقة؟ اترك اجابة السؤال الى القارئ الشيعي خصوصا ليختبر ذاكرته فيما سمع وقرأ طيلة سنين عمره من معمم يقول له لا تدفع الخمس لأنك كذا وكذا.

قول آخر للعلامة ابن ادريس الحلي في كتاب السرائر الجزء الأول صفحة 500 يقول بموافقته لما قاله الشيخ المفيد ” اختلف قوم من اصحابنا في (الخمس) في زمن الغيبة وذهب كل فريق منهم الى مذهب فقال قوم يسقط فرض اخراجه لغيبة الامام…..) فيقول الحلي ان من يقول بإسقاط حق الامام في غيبته و ” يجعل الشطر الآخر في يتامى آل الرسول………لم تبعد اصابته الحق في ذلك”.

مثال آخر للشيخ محمد حسن النجفي في كتاب ” جواهر الكلام”: “الاخبار الكثيرة التي كادت تكون متواترة المشتملة على التعليل العجيب والسر الغريب يشرف الفقيه على القطع بإباحتهم عليهم السلام شيعتهم زمن الغيبة ….”

وفي فتواه عن مصارف الخمس الشيخ محمد أمين زين الدين بخصوص من يدفع له الخمس فالشيخ لا يفترض الدفع لمعمم او للسادة فقط اذ يقول في كلمة التقوى الجزء الثاني : ((يصرف النصف الأول الذي يختص به الامام المهدي المنتظر في زمان غيبته في ما يعلم برضا الامام صاحب الحق بصرف حقه فيه من تشييد دعائم الاسلام واقامة اعلامه ونشر احكامه وترويج الشريعة وتثبيت اسس المذهب الحق وايضاح معالمه وتعليم الجاهلين من المؤمنين وارشادهم الى سبيل الحق وتربية طلاب العلم الجادين في حفظه ونشره بين الناس البائلين اعمارهم واوقاتهم وقواهم في اعلاء كلمة الله ونصح المؤمنين…)).

هنا ينبغي التوقف أيضا عند مقالة الشيخ زين الدين. الشيخ لا يرى اصلا وجوب دفع الخمس لاي فقيه او معمم بل هو يرخص الفرد الشيعي العادي مخرج الخمس ان اراد ان يصرف الخمس ان يخرجه هو بمعرفته في موارد يعتقد انها ترضي الامام عليه السلام. والشيخ يذهب بعيدا جدا في هذه الموارد الى ابعد من نفع المذهب فيقول كما هو مبين اعلاه انه يقدر ان يصرفه على راية الاسلام بالمجمل فيحق مثلا بناء على كلام الشيخ ان يصرف الشيعي اموال الخمس على تدريس المستضعفين في غابات افريقيا الاسلام الصحيح دون حرج الى آخره من الوجوه التي ذكرها الشيخ. وهذا يناقض الوضع القائم في الحوزات.

هذا من وجه ما قاله أعلام الشيعة الذي يتناقض تماما مع الأقوال والافتاءات الاخرى التي تقول بوجوب الخمس وهى على كثرة و”تسليميتها” ارى ان لا حاجة لذكرها. من جهة الأحاديث  اذكر بعض الأحاديث من اهل البيت المعصومين عليهم السلام. وقبل ان اسردهم ربما يقول القارئ وما الذي يدريك انت بصحة الحديث حتى تستشهد به. اقول ان ما سأسرده هو ما صححه فقهاء مشهورين واعتبروهم احاديث صحيحة. فمثلا يقول الشيخ محمد تقي المدرسي في دراسته الاستدلالية في فقه الخمس صفحة 202 والذي سماه بالصحيح: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام :(( هلك الناس في بطونهم وفروجهم لانهم لم يؤدوا الينا حقنا، الا وان شيعتنا من ذلك وآبائهم في حل)), الحديث مروي في الاستبصار الجزء 2 صفحة 52.

وروى في تهذيب الاحكام الجزء الرابع صفحة 143 : عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام انه قال: (( ان امير المؤمنين حللهم من الخمس-يعني الشيعة- ليطيب مولدهم)).

النتيجة بناء على ما سبق ان الأعلم المذكورين أعلاه، يسقطون حق الامام ويبقون على حق السادة ( ما عداء الحلي فهو يسقط الاثنين) مضافا اليه ما ذكر في الجزء الأول من المقال مثل أقوال المفيد والطوسي والسبزواري بسقوط فريضة الخمس اطلاقا في زمن الغيبة ووصولا الى قول الشيخ محمد امين وين الدين الذي لا يرى ان الخمس يدفع من الشخص المخمس في اي وجه خير يعتقد انه يرضي الامام وليس بالضرورة يصرف لحق الامام والسادة كما هو الدارج الآن، أقول بسبب كل هذا التناقض، بدى واضحا جليا لي أن أصل الى نتيجة واحدة وهي ان الخمس ليس واجب ولا بفريضة في حال غياب المعصوم وان أهل البيت رخصوا ذلك لشيعتهم وان كل يجمع الآن تحت مسمى الأخماس ويدفع لمعمم هنا وهناك تحت غطاء المرجعية والتقليد لا علاقة لها لا بشرع ولا مذهب وانه استغفال وسرقة محضة.

والسؤال هو لماذا يدفع الناس الخمس وعلى ماذا ينفق المعممين هذه الأموال ولماذا يصروا ،خصوصا معممي هذا الزمان، على وجوبيته؟؟  

 

Advertisements