ثورة اقتباسات وثورة تضخيم شخصيات – “ستيف جوبز” مثال

ثورة اقتباسات وثورة تضخيم شخصيات – “ستيف جوبز” مثال.

هناك اشخاص طارئون او مستجدون في عالم المعرفة.. لم يقرأوا كتب قط ماعدا كتبهم المدرسية… مصادر معلوماتهم محدودة وتكون في مجملها سمعية…حدثت طفرة التقدم التكنولوجي ومواقع التواصل الاجتماعي دخل في مضمارها لاعبون كثر أحد هؤلاء اللاعبين هم اشخاص قرأوا ربما كتاب هناك او هناك واخذو يقتطعون مقتطفات من هناك وهناك وينشروها في مواقع التواصل الاجتماعي ليظهروا بمظهر ال ” المثقف” المطلع. يتلقف ما ينشر النوع الثاني الذي لا يقرا أبدا، ولأنه لا يقرأ تعجبه هذه الاقتباسات التي تشكل لديه صدمة او سابقة معرفية ، كما يعتقد هو.. فيسارع في نشرها عبر الواتس اب ومواقع التواصل الاجتماعي ويتداولها الناس معتقدون ان مؤلف هذا الاقتباس هو حكيم كبير وانسان راق جدا مختلف عن البشر الآخرين في عقليته ونفسيته وضميره واسلوبه.. وتتراكم كرة الثلج وتستمر هذه الاقتباسات في الانتشار الى أن وصلت لمرحلة شبيهة بالثورة.. ثورة اقتباسات.. لا تفتح موقع لاحد في مواقع التواصل الاجتماعي الا ترى اقتباسات من هذا المخترع وذاك وهذا الروائي وذلاك وهذا السياسي وذاك. الخ.

الحقيقة التي لا يدركها هؤلاء ان الاقتباس هو فكرة قالها صاحبها في وقت ما ربما عاد عنها وحال بعد فترة وجيزة…لا ضير في ذلك وهذا شيء طبيعي .. الغير طبيعي ان تضخمه انت معتقدا انه شخص نبيل وحكيم وكبير بينما هو منحط انسانيا قبل وبعد هذه المقولة التي تنشرها له وتستميت في اظهاره بمظهر الرجل الفذ بينما انت شخصيا، ربما ، تفوقه إنسانية وحكمة دون ان تدرك في وعيك ذلك لأنك ما تعودت الا على احتقار نفسك وتضخيم غيرك..او فنقل لم تتعود على انصاف نفسك..اعتقد هذا هو التعبير الأنسب… انصاف نفسك..

تبعت ثورة الاقتباسات ثورة تضخيم الشخصيات، وهم في الغالب من تُروج مقولاتهم واقتباساتهم.. بعد اختراع الاي باد والاي بود، ظهر نجم “ستيف جوبز” واخذ الناس يتلقفوا كل كلمة وهمسة يتفوه بها ظنا منهم ان كل كلمة تخرج من فمه هي تعويذة النجاح التي يحتاجون اليها في حياتهم وانه بعبقريته التكنولوجية لابد ان يكون أيضا عبقريا انساسيا وربما يمكن ان ينهلوا من ميزاته الشخصية والسلوكية ويتخذوه مثال ورمز..نعم جعلوه رمزا…

في الواقع هو رجل عبقري في ما يجيده ، التكنولوجيا، لا مراء في ذلك ولا شبهة ماعدا ذلك هو انسان عديم أخلاق غير محترم بذئ اللسان يتفنن في ايذاء الناس وجرح كرامتهم ولا يلتزم قط بقوانين الدولة نرجسي يحتقر الآخرين لأبعد الحدود…يذكر موظفيه انه في استراحة الغداء يتقدم الموظفين الواقفين في طابور المطعم دون أي كياسة ولياقة، يستمتع ايما استمتاع في استخدام كلمة ” فاشل” ” تافه” اخرق” ” احمق” لموظفيه، يهين الموظفين على مسمع من الكل لا يحترم خصوصية احد منهم. روت احدى الموظفات انه ظل يهين ويصرخ في وجه موظف لمدة ثلاثين دقيقة متواصلة مكيلا له ابشع الوصوف وأقساها (هذا الشخص هو كبير المبرمجين وموهوب جدا) ناعتا إياه بالفاشل الغبي على مسمع ومرأى من الكل… مبرمجين عباقرة تركوا الشركة بعد تسعة اشهر من العمل معه معلنين انهم لا يريدون ان يعملوا او يتعاملوا مع هذا الشخص في حياتهم قط… وكان دائم التكرار لموظفيه في قسم الموارد البشرية ان كل العاملين في تخصص الموارد البشرية لديهم عقلية تافهة وضيعة.

شخص يتصرف بهذه الطريقة مع موظفيه سآخذ من عبقريته التكنولوجية لكني لن اسمع ولن اقرأ له ابدا عن أي موضوع آخر يتحدث فيه لأنه انسان ليس سوي وغير مؤهل ان تصدر منه الحكمة.. فيا أيها المتحمسون جدا رويدا رويدا..أريحونا من ستيف جوبز قليلا.. اعرفوا رموزكم جيدا قبل ان تؤلهوها وتتغنوا بها وترفعوها عاليا…

” ستيف جوبز” ليس استثناء. خذ مثال الرئيس التنفيذي لشركة أمازون ” جيف بيزوس”..” جيف” من فرط اهانته واحتقاره وعدم احترامه لموظفيه اصبح مظهرا مألوفا ان ينهار مدراء تنفيذيون كبار بعد اجتماعهم معه في نوبة بكاء حقيقية على كرامتهم المهدورة.. شركة أمازون معروفة انها من اكثر البيئات في الشركات الكبرى إيذاء واهانة لكرامة الموظفين بسبب شخصية ” جيف” الذي يتلقف الناس كلماته المنثورة كأيوقونة النجاح…

قيمة النجاح ليس في ما يتحقق من مستوى مادي في حياتك بل في ما يصنعه فيك من تغيير.. القيمة ليست في ان تكون ملياردير بل في ما تصنعه وتجعله فيك هذه المليارديرات في شخصك..

ستيف او جيف وغيرهم ليسوا ملائكة ولا نتوقعهم كذلك وليسوا بدعا من الانسانية.. منذ بدء الخليقة الى ان تقوم الساعة نماذجهم باقية ومستمرة.. المشكلة في التضخيم.. في ” الترميز” في وخلق ايقونات من ورق…

انت لو أعطيت مسؤولية الاشراف على موظفين ربما لن يسمح لك عقلك وضميرك ونفسك السوية ان تفعل جزء مما ذكر اعلاه.. لذلك قلت لك في صدر هذه التدوينة، ربما انك اكبر من ستيف جوبز إنسانيا واجتماعيا وفكريا.. هو عبقري تكنولوجيا فقط… ضع الشي موضعه بلا زيادة. انهل من علومه التكنولوجية كما اردت وانشرها وروج لها كما اردت لكن ان تملأ الأرض ضجيجا على مهاراته ” القيادية” و” ادارته” وحكمته فهذا امر مقرف حقا ومستفز…

خذ مثال آخر، توماس كارلايل، الفيلسوف والمؤرخ الاسكتلندي، هام فيه بعض المثقفين المسلمين ناشرين مقتطفات واقتباسات تدل على ” انصافه” و”حياديته”  و”علميته” لانه في كتابه ” الابطال وعبادة البطولة” صنف النبي محمد (ص) انه احد ابطال التاريخ…ولم يقرأوا ربما ان هذا الشخص بعيد جدا عن الانصاف مع كل المحيطين به ومواقفه من تجارة ” الزنوج” المحتقرة للعبيد خير مثال انه با بعرف الانصاف بمعناه الإنساني . هو شخص ساخر من الكل مستهزئ وحاط بالكل..كان الناس يتجنبوه من فرط لذاعة سخريته والحط بهم.. ( اكتُشف بعد وفاته انه تزوج ومات عن زوجته وهي بكرا لأنه كان عاجزا جنسيا.. يفسر ذلك البعض ان هذا هو سبب سخريته وكرهه وانتقاده للناس واهانتهم)

Advertisements