الدمج والانصاف و”المفكرون”

الفكرة التي ارغب في التعبير عنها في هذه التدوينة بدأت تتكرر في مخيلتي كثيرا منذ عام 2011 حيث ابتدأ الحركات السياسية في تونس واليمن والبحرين ومصر وسوريا..

اشتغل الصحفيون والمغردون في تويتر خصوصا على تحليل الأحداث واختيار الجهة التي يميلون اليها والتموضع فيها بتصميم اطار فكري ” منطقي” يتمترسون وراءه لاقناع أنفسهم قبل الآخرين بصوابية موقفهم وبعدالة ميلهم لأي طرف من اطراف النزاع..

اختلف الناس كثيرا.. فمنهم من وقف مع الحركة في البحرين وعارض الحركة في سوريا، منهم من وقف مع البحرين ومصر وتونس وعارض الحركة في سوريا ، ومنهم من وقف مع الكل مدافعا ومبررا لكل الحركات في كل الدول..

فكرتي هي أنه عندما اقف وادعم وابرر لكل الحركات والتوجهات هذا يعني انني استخدم مسطرة واحدة، اداة قياس واحدة لكل السياقات.. والسؤال هو: هل يعتبر هذا شيئا صحياً من الناحية الفكرية، وهل يعتبر ذلك انصافا وعدلا.. فمثلا، شخص يدعم الحركة المسلحة في اليمن وسوريا، هل ليكون منصفاً وصاحب ” معيار انساني وحقوقي واحد” يتوجب عليه ان يدعم الحركة المسلحة في مصر؟ أو هل ليكون منصفا  وصاحب ” معيار انساني وحقوقي واحد” وغير ملتبس بالوعي الطائفي الفئوي يتوجب عليه ان يدعم الحركة السياسية في سوريا لأنه دعم الحركة في البحرين؟..

من خلال متابعتي لما يكتب وجدت ان هناك العديد من المغردين في تويتر وكتاب الصحافة اختاروا “المسطرة الموحدة”، اي ما اطلق عليه انا ” منهجية التجميع لإرضاء النفس والناس”..

اساس هذه المنهجية ان بعض الناس لكي يقنع نفسه انه منصف وذا معيار واحد انساني وحقوقي وسياسي وانه غير ملتبس بداء الطائفية والمذهبية، يدمج الكل ” في خلاط واحد” ويحكم على الكل من منظار واحد.. بذلك لا يكون للناس حجة عليه في لوم ولا عتب.. الرجل عزر الكل.. وانتقد الكل.. و عرى الكل.. لذلك هو سليم النية والضمير ومنصف..

من وجهة نظري، انا لا اتفق مع هذه المنهجية .. ومن تجربتي وجدت ان من يستخدم هذه المنهجية في التفكير يصعب مناقشته لان النقاش يكون على ارضية رخوة ميالة..

في الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية لا يمكن ان تمسك بأداة قياس واحدة وتطبقها في كل السياقات لان كل سياق له طبيعته وانطلاقاته واسبابه ونتائجه.. لذلك فشل مشروع الوحدة بين مصر وسوريا.. بسبب الاختلاف.. ولذلك هناك صعوبات في الاتحاد الاوروبي في بعض الدول بسبب الاختلاف.. اليونان تختلف عن فرنسا والمانيا، يصعب تطبيق نفس المسطرة عليهم مجتمعين.. لذلك بريطانيا تفكر في الانسحاب نهائيا..

أرى مغردون مثلا في تويتر، يسب داعش والقاعدة والاخوان وينقم عليهم، لكن لكونه نقم على هذه التوجهات لأسبابه المنطقية، ليرضي نفسه والآخرين، يعرج على الشيعة ( مثل الحشد الشعبي في العراق) ويسبهم ويحقرهم ويكيل لهم الاتهامات علما انه لا يستطيع ان يثبت بدليل علمي غير طائفي ما يدعيه من جرائم ارتكبت من الحشد الشعبي، كالفيديوات التي تنشرها داعش، لكن يستمر في نشر هذه الاتهامات ووضع الكل في خلاط واحد..

تابع مثلا ما تناوله المغردون الخليجيون وردات افعالهم على ما قدمة الممثل ناصر القصبي عن داعش في برنامج سلفي على قناة ام بي سي.. كل ما اثار حنقهم هو لماذا لم يصور اي شيء عن الشيعة.. لماذا لم يذكر جرائم الشيعة؟ لا يهم ان كانت الجرائم المدعاة موثقة ام لا، المهم ان يوضع كل شيء في خلاط واحد ” وينضربوا” كما يقول المصريون لينتج له ” الميلك شيك” الذي يريحه ويجعل منه انساس افضل راض عن نفسه..

الخلاصة هي انه لأكون محللا ومفكرا وناقدا موضوعيا ومنصفا لا يلزم بالضرورة استخدام نفس المسطرة في كل سياق، انظر لكل موضوع بتاريخه وحيثياته الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية وتبعاته وخيوط اللعبة من وراء كواليسه ومن هم الممثلين على مسرحه ومن هم المستفيدون من مخرجاته وما هي معاييري ومبادئي الأخلاقية والدينية والقيمية تجاه ذلك وما هي تبعات ذاك السياق على نفسي وعلى وطني وامتي، كل هذه الأمور هي معطيات ضرورية لتكوين موقف تجاه امر ما ومن الطبيعي ان تختلف باختلاف الموضوع .. فلابد من ترك هذه المعطيات تتفاعل مع بعضها في تفكيرك لتنتج لك خلاصة، فان انتجت خلاصة متشابهة في اكثر من سياق كان بها وان لم تنتج خلاصة متشابهة فلا تجير العملية والمعطيات لتحصل على ذات النتيجة لترضي مخيلتك وترضي الناس..

 

Advertisements