دلالات صلح الامام الحسن (ع)

تشكل حالة المقارنة بين الامام الحسين بن أمير المؤمنين واخيه الامام الحسن عليهم السلام حالة صادمة في الفروقات الاستراتيجية في مواجهة الظلامية والظلامة معا.

إنها صادمة ، لجزء كبير من الناس وليس الكل طبعا، لأن الصورة قد لا تكون مكتملة عند هذا البعض لتقصير او سوء فهم او عدم اهتمام بأهمية هذه الصورة من قبل الخطباء ومن يتصدى ل ” تثقيف” الناس في الحسينيات.

اما الصورة فهي صورة الامام الحسن عليه السلام وأجواء بيئة المهادنة التي عقدها مع معاوية بن أبي سفيان. طريقة التعاطي مع هذه الهدنة يجعل المستمع، وخصوصا صغار السن، يخال ان الامام الحسن هادن بتقية وضعف وانه كان الطرف الخاسر في هذه الهدنة حفظا لدماء الشيعة وصونا لحومتهم.

حتى ليقال، من بعض الشيعة انفسهم، خطباء وكتاب، ان الامام الحسن اختار الهدنة بينما الامام الحسين اختار الثورة. في ظني ان الامام الحسين لم يكن هو فقط من اختار الثورة فكل اهل البيت واصحابهم ثوريون. تختلف وسائل التعبير لكن الثورة موجودة فهي لا تنفك عنهم لأنها من صلب تكوينهم وعلية ولايتهم المطلقة.

لقد أخطأ وقصر الخطباء والكتاب والمعممين في التعامل مع قصة الامام الحسن عليه السلام فلم يتم التطرق والتحليل لحياته عليه السلام بالشكل الذي تسمح به المعطيات. مثال واحد فقط من هذا التقصير انه لطالما تم الحديث عن هدنة الامام الحسن ومعاوية لكني لم اسمع قط منذ الصغر، واخال  الكثير غيري ايضا، بنود هذه الاتفاقية او الهدنة وما هي مدلولاتها.

وعليه، اعدد بنود الهدنة للقارئ لتعم الفائدة ، مع بعض المراجع لمن احب الاستزادة.

المادة الأولى: تسليم الأمر الى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الصالحين( راجع البداية والنهاية، ابن كثير  الجزء 8 صفحة 41، شرح نهج البلاغة الجزء الرابع صفحة 8 ، والامامة والسياسة صفحة 185 ، النصائح الكافية 156 وتاريخ الخلفاء للسيوطي صفحة 194)

المادة الثانية: ان يكون الامر للحسن عليه السلام من بعده فان حدث به حدث فلأخيه الامام الحسين وليس لمعاوية ان يعهد به الى احد،( راجع عمدة الطالب صفحة 52 و راجع البداية والنهاية،  ابن كثير  الجزء 8 صفحة 41، شرح نهج البلغة الجزء الرابع صفحة 8)

المادة الثالثة: ان يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه في الصلاة وان لا يذكر عليا الا بخير ( راجع أعيان الشيعة الجزء الثالث صفحة 43 ، مقاتل الطالبيين صفحة 26 )

المادة الرابعة ( استثناء ما ببيت مال الكوفة فلا يشتمل بهذا الاتفاق. ( راجع الامامة والسياسة صفحة 200)

المادة الخامسة: أن الناس آمنون اينما كانوا في العراق والشام والمدينة وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وان لا يأخذ احد بماضيه وأن اصحاب علي وشيعته آمنون على انفسهم واموالهم ونسائهم وان لا يتعقب عليهم شيئا ولا يتعرض لاحد منهم بسوء وان لا يخيف احد من ال البيت في اي افق من الافاق

كان توقيع معاوية اسفل هذه البنود ما يلي: على معاوين بن ابي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما اخذ الله على احد من خلفه بالوفاء وبما اعطى على نفسه ( راجع اثبات الوصية للمسعودي صفحة 132 والاثبات للمفيد وغيرهم الكثير ).

هذه البنود تبين كيف سلك الامام الحسن سلوكا حضاريا عقليا راقيا. في تلك الظروف المضطربة بعد وفاة حامي الاسلام الاول أمير المؤمنين عليه السلام، اتبع الامام الحسن الاستراتيجية المعروفة باسم ” lose the fight but win the war ” بمعنى ” اخسر الجولة لكن اكسب الحرب” والخسارة هنا ليست بالمعنى الاصطلاحي السلبي بل بمعنى انه في الوقت الذي لا يمكن القضاء على معسكر العدو وإزالته عن الطريق، تستطيع ان تتعايش معه شريطة ان تحافظ على بقائك تأسيسا لقوتك المستقبلية. ( راجع كتاب 33 استراتيجية للحرب لروبرت غرين، وفنون الحرب ل “سن تزوو”)

نلاحظ كيف اهتم الامام الحسن بالحفاظ على الشيعة واهل البيت وبيت المال المسلمين لاجل محتوم حتى يتوفي معاوية فقط ويستلم الامام الحسن او اخيه الامام الحسين الحكم.

وملاحظ ايضا ان الامام الحسن هو المؤسس لثورة الامام الحسين لسبب بسيط جدا  وهو أن الامام الحسن عندما اشترط ضرورة ان لا يخلف معاوية احد فإنه بذلك يقول لأخيه الامام الحسين: ان انا مت، واستلم الامر احدا بعد معاوية فهذا يستوجب التحرك والتصرف ولك التصرف والرأي في طبيعة هذا الاجراء. وعليه فالإمام الحسن هو مؤسس البنى التحتية للثورة وراعيها. لم يكن متبعا للتقية بضعف و” عدم حيلة” بل اثبت من خلال هذه البنود انه فكر باستراتيجية واعية وأسس لانتصارات قادمة.

ذرية ك”عنقود مرصع” يكمل بعضهم بعضا. هم عنوان الثورات الانصع والاكمل. لا يشتمل اي عقد من هذه السلسلة على ضعف وهوان ومظلومية، بل قادة كبار، يقرؤوا واقعهم بعناية ويخططوا وفقا لذلك.

لا يعيشوا الطوباوية والنمطية في أساليبهم و  لا يركنوا لشعور سلبي بالظلامة والمظلومية. لكن اضاع من خلفهم قوم اضاعوا البوصلة وانتهجوا سلوك “الامعات” وركنوا الى شعور سلبي مرير في مجتمعاتهم لمئات السنين، حتى اضاعوا انفسهم واجيال عديدة خلفهم.

 

Advertisements